شاهدت مساء أمس على إحدى القنوات الفضائية حصة تلفزيونية اجتمع فيها، وبالإضافة إلى مقدمة البرنامج، بعض الأطباء النفسيين والأساتذة والمختصين في علم الاجتماع، وكان موضوع الحلقة: "كيف نربي أطفالنا؟". الموضوع مهم، خاصّة في مجتمعنا، فرغم أنّ الأسرة في امتنا لازالت متماسكة، وهي خاصيّة نمتاز بها عن غيرنا من الغربيين، إلاّ أننا عادة ما نجد الأولياء غير مهتمين او غير قادرين على مدّ أطفالهم بتلك التربية وتلك الأخلاق، إمّا لأنهم يجهلون الطريقة المثلى لذلك، او لأنهم ببساطة يهملونهم. أجل، ولو بدا الأمر غريبا، اغلب الأولياء لا يعرفون كيف يتعاملون مع أطفالهم، فتجدهم يطلبون النصائح من الغير، بل ويتصلون بالبرامج التلفزيونية، مثل تلك التي وقعت عليها، ويسالون هؤلاء المختصين والأساتذة عن "طرق استعمال" أولادهم. تابعت البرنامج حتى نهايته وكان المشاهدون يتّصلون، ويقصّون ما يعاني منه أولادهم، او ما يعانونه هم من أولادهم، ثمّ ينتظرون الرد، مشاكل دراسية وانحراف ورفقاء السوء، وغيرها من الأمور التي يلاقيها الطفل ما إن يخرج إلى الشارع، بل ما إن يلتحق بالمدرسة والتي صارت في بعض الأحيان اخطر عليه من الشارع ورفقاء الشارع. أما هؤلاء الضيوف، فراحوا ينصحون المشاهدين بثقة متزايدة، رغم أن الأمر جد حساس، والتعامل مع المراهقين لا يتم بمثل هذه السهولة، ومثل تلك الحالات لا يكفي أن يسمعها المختص عبر الهاتف في دقائق معدودات، ثم يدلي برأيه فيها، وينصح المشاهد الذي سيطبق ما سمعه على ابنه او ابنته، كما لو تعلق الأمر بطبق حلوى، يوفر له المشاهد اللوازم الكافية، ليضمن تحضيرا ناجحا له. بل غالبا ما تكون تلك النصائح فاشلة، بل ومدمرة أحيانا، إما لأنّ الأب لم يعرف كيف يطبقها على ابنه، فعوض أن يحرمه مثلاً من بعض المتع لكي ينكب على دراسته، يسجنه ويضربه ويحرمه من كل شيء، وقد يجعله يرحل او يهرب من البيت إلى غير رجعة، وقد لا يفهم المختص الحالة فيدلي بنصيحة في غير محلها، يطبقها الوالد بحذافيرها، فيجد نفسه في متاهات أخرى أكثر تعقيدا، وحتى وان عرف الأب وفهم المختص، فان هذا الأخير وفي كل الأحوال لا يستطيع أن يلم بنفسية الطفل، ويكون عاجزا عن فهم تصرفه وسبب انحرافه، بل إن المشاكل التقنية للبرمجة، او ما يسمى بالمشاكل "الخارجة عن النطاق" هي كذلك قد يكون لها اثر، فقد اتصل مشاهد وقال أن ابنه يبلغ أربع عشرة سنة، ولأن المكالمة كانت رديئة، فقد سمع المختص سبع عشرة سنة، فأدلى بنصيحته على هذا الأساس. من غير العادي أن لا يعرف الأب او الأم كيفية التعامل مع أولادهم، ولا يرون ما هو خير لهم وما هو شر، وان يعجزوا عن تربيتهم إلى درجة تحتاج طلب المساعدة من أشخاص غرباء، وربما ليس لهم إلا تلك الشهادات التي نالوها بعد تلقي دروس نظرية، قد تكون ابعد ما تكون عن الواقع، فمن الغريب أن نتعامل مع الأطفال عبر نصائح من نوع "طريقة الاستعمال".