في بداية السبعينات كنا نتنذر على مقولة منسوبة للسيد أحمد قايد - رحمه الله - تقول : »كنا على شفا حفرة وتقدمنا خطوة إلى الأمام«! هذه المقولة لم تعد اليوم تدعو إلى الضحك ولكنها تبدو - بكل أسف - أدق توصيف لواقع الأمة العربية والإسلامية المنكوبة.- فبعد أن دق حسن نصر الله بقوة باب الفتنة في 25 ماي 2013 عندما صرح بأنه ليس محتاجا لإعلان الجهاد إزاء ما يجري في سوريا وأن هناك عشرات الآلاف مستعدين للقتال في سوريا وهم رهن إشارته وسرعان ما تحول التصريح الخطابي إلى تورط ميداني في مدينة القصير السورية. تقدم علماء ملسمون خطوة أخرى في حلبة الحرب الطائفية حيث أصدر عدد كبير من علماء المسلمين في القاهرة يوم الخميس الماضي 13 جوان 2013 بيانا يدعو إلى إعلان النفير والجهاد بالنفس والمال والسلاح ضد النظام في سوريا وحلفائه من الإيرانيين وحزب الله اللبناني، وقال الشيخ صفوت حجازي الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة »بدأت بالفعل قبل حوالي عشرة أيام إعداد مقاتلين من مصر وغيرها من الدول التي تنشط فيها الرابطة لإرسالهم إلى سوريا إلى سوريا«. وقد وقع بيان القاهرة ممثلو أكثر من سبعين رابطة ومنظمة إسلامية تضم هيئات إسلامية في كل من الكويت ومصر والجزائر وليبيا والسعودية والأردن والسودان والعراق وموريتانيا واليمن. والغريب أن علماء المسلمين الموقعين على البيان الممثلين لغالبية أتباع المذهب السني في العالم الاسلامي برروا موقفهم الداعي إلى الجهاد بأنه من أجل »الحفاظ على كيان الأمة«! وبعد يوم واحد من صدور بيان القاهرة ظهر زعيم حزب الله في لبنان بمناسبة الاحتفال بيوم المقاوم ليعلن بفخر بأنه قرر إرسال شباب حزب الله للقتال في سوريا وأنه سيستمر في تقديم الدعم العسكري للنظام السوري، وحرس السيد حسن نصر الله الممثل لتوجهات أغلب أتباع المذهب الشيعي على التأكيد بأن تدخل أتباع حزب الله اللبناني في الصراع المسلح الدائر في سوريا كان عن وعي وإدراك لطبيعة المعركة وأن موقفه الداعم للنظام السوري لم يكن نابعا من تقدير تكتيكي ولكنه نتيجة وضوح في الرؤية وموقف عقائدي يترتب عليه سؤال وحساب يوم القيامة! والحاصل أن ممثلي أتباع المذهب السني وممثلي أتباع المذهب الشيعي يبررون موقفهم بالدفاع عن الاسلام ولم يذكروا على ما يبدو قول الله تبارك وتعالى في الآية 103 من سورة آل عمران (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقوله تعالى في الآية 46 من سورة الأنفال (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). لقد تدنى المسلمون إلى درك الهوان وأصبح بأسهم بينهم شديدا حتى صاروا أشبه بالقصعة التي يتداعى إليها الأكلة! فبعد خطاب حسن نصر الله مساء يوم الجمعة 14 جوان 2013 استضافت قناة ''الجزيرة'' القطرية الدبلوماسي الأمريكي الصهيوني مارتن أنديك وكانت ملامحه تطفح بالرضا والتشفي وهو يقول: »إذا لم نقم بتسليح المعارضة وتوحيدها فإن اللعبة تكون قد انتهت«! فالمطلوب أمريكيا واسرائيليا هو الإبقاء على المزيد من الاقتتال والتدمير والشقاق في سوريا. كانت الولاياتالمتحدة من أشد المعارضين لتسليح المعارضة وحتى علماء السعودية كانوا يعارضون دعوة الشباب إلى الجهاد فقبل بضعة أشهر حذر مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ من الدعوة إلى الجهاد مفضلا دعم السوريين بالدعاء والمال وقال: »أنا لا أؤيد خروج الشباب للجهاد مهما كان«، ويبدو اليوم أن الجميع متعجل لتخطي الحدود الحمراء بما في ذلك علماء الأمة الذين يتحملون أمانة ترشيد الأمة وإبانة الحق للناس وإصلاح ذات البين بين الإخوة في الدين. ولكن بيان القاهرة هو بداية تحويل الأزمة في سوريا من صراع سياسي إلى حرب طائفية وصراع مذهبي وهو أخطر الأزمات والنكبات التي قد تؤدي إلى تفكيك كيان الأمة خصوصا إذا اجتمع عليها جور الحكام وزلة العلماء، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: »إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف عليهم زلة عالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع«. وقد يكون الشيخ صلاح الدين بن ابراهيم من علماء المسجد الأقصى مدركا لخطورة هذه الدعوة على مصير الأمة الاسلامية عندما قال: »إن الداعي إلى فتاوى الجهاد في سوريا هو الشيطان«! فهل ستقربنا الدعوة إلى الجهاد في سوريا شبرا واحدا من تحرير المسجد الأقصى بل ومن تحرير الجولان في سوريا وبقية أراضي مزارع شبعا في لبنان؟!