لما تحدثت عن التفاؤل المبالغ فيه لبعض التشكيلات السياسية الجزائرية ذات التوجه الإسلامي أثناء الحملة الانتخابية نعتّ بأقبح النعوت ووصفت بأبشع الأوصاف من طرف المتعاطفين مع هذا التيار، وكأني ارتكبت جريرة لا تغتفر وخطأ لا تسامح معه... وأنا هنا لا أريد الرجوع إلى الموضوع، ولكن فقط أريد أن أتخذه منطلقا لما أريد الإفضاء به اليوم، وهو القدسية التي يحاول إضفاءها البعض على الشخصيات. هذه القدسية التي امتدت إلى الأحزاب والأفكار والتي يقابلها تجريم كل من يخالفنا الرأي ومحاولة النيل منه والطعن في كل ما يتلفظ به، حتى وإن كان داخلا في خانة النقاش والتحاور... مصيبتنا تكمن في استبدادنا بالرأي وعدم سماع الصوت الآخر ووجهات النظر المخالفة لنا... مصيبة بعض أتباع ومناضلي أحزابنا السياسية اعتقادهم الذي يكاد يكون راسخا من أنهم على صواب والعالم كل العالم على خطأ، وأن ما يقوله زعيمهم أو ”مرشدهم” منزه عن كل شيء، مع إيمانهم بأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هو آخر الرسل وأن القرآن الكريم هو الذي لا يسمح معه التحريف والتأويل والإنقاص والتبديل... إن التعصب المبالغ فيه لأفكارنا والتشبث بها والتطرف في الدفاع عما يطرحه قادتنا السياسيون من توجيهات وأفكار وضعية، يؤدي بنا في كثير من الأحيان إلى مواجهة من يخالفنا بالعنف اللفظي ثم إلى مقارعته بالنار والحديد... الفكرة يجب أن تقارع بالفكرة والكلمة بالكلمة والرجل الذي آمن بممارسة السياسة لإيصال أفكاره أو الوصول إلى الحكم عليه أن يكون مرنا مع الآخرين وألا يكون فظا غليظ القلب في التعامل مع الناس... بعض أحزابنا السياسية جنت على نفسها بغلوها وتطرفها ومبالغتها في الاعتقاد بأنها الأقوى والأحسن والأنظف، وكأنها وحدها في الساحة السياسية، أو كأن مثيلاتها من الأحزاب جاءت لنشر الرذيلة وإباحة المحرمات... علينا أن نضع أرجلنا على الأرض ونؤمن بوجود الآخرين مثل إيماننا بذواتنا... واللهم اكف أمتنا شر المتنطعين...