مرضى وصلوا إلى حافة الموت و لم يفطروا في رمضان “ العصيان الطبي " خلال شهر رمضان هو من أكثر الأمور التي تعرض المرضى العاجزين عن الصيام لتعقيدات صحية خطيرة كالإغماء و الغيبوبة الطويلة، و أكثر الفئة المعرضة لهذه المخاطر هم مرضى السكري حيث تمنع فئة "السكري أ"، من الصيام نهائيا و ذلك لأنه يتحتم عليهم أن يتبعوا حمية غذائية ترافق العلاج بالأنسولين كما يؤكد الأطباء المختصين ، الذين أشاروا أن مرضى السكري ليسوا الوحيدين الممنوعون من الصيام فقد يتحتم على بعض مرضى الضغط ،و القلب و القولون أن يفطروا في نهار رمضان غير أننا نسمع كثيرا عن مرضى أصيبوا بتعقيدات صحية خطيرة أدت في بعض الأحيان إلى الموت "انتحارا" بسبب رفضهم الامتثال لأوامر الطبيب .وقد سجلت مصالح الاستعجالات خلال الأسبوع الأول الكثير من الحالات لمرضى رفضوا الامتثال لأوامر الأطباء بعدم الصيام مما أدى إلى إصابتهم بمشاكل صحية تتفاوت خطورتها من مريض إلى آخر . الحاج عمار البالغ من العمر سبعين سنة يعاني منذ سنوات من داء السكري و يعتمد لضبط معدل السكر في دمه على الأنسولين الذي تحقنه به يوميا ابنته الصغرى من مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم ، مما يمنعه حسب رأي طبيبه المعالج من الصيام نهائيا ، فبعد أخذ جرعة الأنسولين ينخفض لديه مستوى السكر في الدم بشكل كبير و يتحتم عليه تناول وجبة أكل متوازنة لتعديله. غير أن الحاج عمار الذي يصفه أولاده بالعنيد الشديد، أصر رغم تحذيرات الطبيب على الصيام الذي أدى به للدخول في غيبوبة سكر في اليوم الثالث من رمضان بعد أن أمضى اليوم الأول و الثاني بصعوبة كبيرة . و كما أخبرتنا ابنته حليمة معلمة ابتدائي ، فإنه تعرض في اليوم الثالث لنوبة سكر كانت متوقعة جراء صيامه، حيث بدأ يتصبب عرقا قبل الإفطار بحوالي ساعة و أصيب برجفة مفاجئة و تسارعت نبضات قلبه بشكل مخيف ، فنادت إخوتها لينقلونه بسرعة للمستشفى أين أمره الأطباء بالإفطار. و منعه طبيبه فيما بعد من الصيام مجددا لما في ذلك من خطر على حياته، و لكن هيهات آن ينصاع لأمر الطبيب و توسلات أبنائه الخائفين من تدهور صحته من جراء عناده، خاصة انه يعاني أيضا من قصور في وظائف الكبد ، مما يجعل صيامه صعبا بل مستحيلا ، و لكن مهمة إقناعه بذلك أكثر صعوبة كما يقول أبناءه الخمسة الذين يؤكدون أنهم لم يتركوا وسيلة لإقناعه، و عندما قرر الصيام في اليوم الأول و الثاني من رمضان لا أحد تجرأ على منعه لأنه كما قالوا ينفعل بسرعة و يبدأ بالصراخ بعصبية و يؤثر على ارتفاع السكر لديه . و لم يتحمل الحاج عمار الإفطار في رمضان لأكثر من يومين فبعد أن عاد إلى البيت استأنف الصيام و لكن هذه المرة لم يبلغ منتصف النهار حتى دخل في "غيبوبة سكر" مفاجئة لازمته ثلاث أيام و أبقته تحت العناية المركزة في المستشفى و كادت أن تكلفه حياته، و لكنه بقي مصرا على رأيه و لم يقتنع بأن الصيام في حالته مستحيلا و كان يتناول طعامه في كل مرة باكيا لأنه كما يقول: " يحز في نفسه أن يفطر دون الناس في شهر الصيام" . عناد المرضى المسنين و رفضهم للانصياع لأوامر الطبيب يعرض الكثير منهم إلى أخطار صحية تودي بحياتهم إلى التهلكة. كما كان الحال مع الحاجة زهرة التي تعالج مرض السكري بدواء الكليغوجين الذي يعمل على تعديل نسبة السكري غير الثابتة لديها، و التي تعرضت أثناء الصوم لاختلال جعل نسبة السكري لديها تنخفض كثيرا خلال النهار و ترتفع إلا أقصى المعدلات بعد الإفطار، مما دعا عائلتها للمسارعة بها إلى مصلحة الاستعجالات أين تم إدخالها مباشرة للمستشفى من أجل تعديل نسبة السكر. و يفسر الأطباء في المستشفى الجامعي بقسنطينة أين تم استقبالها في جناح الأمراض الداخلية ما أصابها بأنها لم تحترم الريجيم المخصص لها، و غير بعيد عنها أخبرنا الأطباء عن حالة السيدة نوال أربعينية التي أصيبت منذ ثلاث سنوات فقط بمرض السكري جراء تناولها المفرط للحلويات و خاصة المشروبات الغازية ، و أصيبت في اليوم الأول من رمضان بغيبوبة سكر أدخلتها المستشفى و ذلك لأنها أبت إلا أن تتسحر بالمشروبات الغازية مهملة تناول وجبة سحور صحية، كما نصحها طبيبها الذي منعها فيما بعد من الصيام إلا أن تستعيد عافيتها و يستقر السكر في دمها ، بشرط أن تعتني فيما بعد بنظامها الغذائي الذي يجب أن يحتوي على نسبة قليلة جدا من الحلويات .رئيسة قسم الأمراض الباطنية بمستشفى قسنطينة الجامعي الدكتورة بوالجدرة عيشة أكدت أن: "مرضى السكري ليسوا كلهم ممنوعون من الصيام غير أن تدهور حالة بعضهم الصحية تجبر الطبيب على منعهم من معاودة الصيام إلا أن تستقر حالتهم الصحية، كالإصابة بنوبات ارتفاع أو انخفاض مفاجئ للسكر ، بالإضافة طبعا للمرضى اللذين يعتمدون على حقن الأنسولين " و أكدت الطبيبة أن بعض المرضى المزمنين كمرضى السرطان ، الربو الشعبي، و حصوات الكليتين و مرضى القولون المزمن و غير ذلك غير قادرين على الصوم و لكن الأمر نسبي و يتغير من مريض إلى آخر حسب حالته الصحية، غير أن السكري يبقى هو المرض الأكثر تسببا في إفطار المريض خلال شهر الصوم .و أكدت الدكتورة بورغود ريم ، مختصة في الطب الداخلي بمستشفى قسنطينة أن التكفل النفسي بمرضى السكري الذين يعجزون عن الصيام ضروري بقدر العلاج لأن عادة مرضى السكر هم من فئة المسنين ، الذين يصعب التعامل معهم خاصة عندما يتعلق الأمر بالالتزام بالحمية أو عدم الصيام بسبب أسباب صحية ، فهم يعتبرون أن إجبارهم على الإفطار يقلل من قيمتهم و من قدراتهم على التحمل و الصبر فينعكس ذلك سلبا على نفسياتهم و يزيد في كثير من الأحيان في عنادهم و رفضهم لتنفيذ أوامر الطبيب حتى إذا وصلوا إلى مراحل متقدمة من التعقيد في حالاتهم الصحية. كما هو الحال بالنسبة للحاجة زكية مريضة سكر سبعينية لا تصوم منذ أكثر من أربع سنوات منذ أن بدأت بأخذ حقن الأنسولين، بعد أن وصلت إلى مرحلة متقدمة من المرض . و تعتبر الحاجة زكية إفطارها في رمضان إهانة كبيرة لها و كانت في السنوات الأولى تمضي الكثير من وقتها و هي تبكي بدون توقف بسبب إفطارها و قد تطلب إقناعها الكثير من الاجتهاد من أبنائها و أفراد عائلتها .