ضابط فرنسي يكشف عن جرائم التعذيب في ولاية ميلة * أنين المعذبين لازال يطاردني حتى اليوم مقراني محمد الصادق يصدر قريبا بفرنسا كتاب لمجند فرنسي يدعى برنار درافي بعنوان «حرب الجزائر بعد خمسين سنة» يقع الكتاب في 110 صفحة تطرق من خلاله و لأول مرة إلى جرائم الاستعمار الفرنسي في ولاية ميلة، من خلال رصده ليومياته كمجند احتياطي فرنسي عايش الثورة الجزائرية في العديد من مناطق ولاية ميلة . الكتاب الذي تمكنا من الاطلاع عليه كمخطوط يعد وثيقة تاريخية هامة تؤرخ بنظرة فرنسية لأحداث جرت في عدة جهات من الولاية، يكشف عن وسائل التعذيب المعتمدة والتي كانت تمارس من طرف الفرنسيين في السجن الأحمر بفج مزالة سابقا فرجيوة حاليا أو تلك الممارسات الغير انسانية و التي كانت تمارس أيضا في مركز باينان و الخروقات التي كان يقترفها كل من حركى باينان و سيدي زروق بالرواشد. برنار درافي ضابط احتياطي هو عضو سابق في تنظيم طلبة الكاتوليك في مرسيليا متحصل على شهادة في القانون التحق لأداء الخدمة العسكرية في شهر نوفمبر1958 . و بتاريخ 4 مارس 1959 ودع برنار من طرف عائلته بمرفأ مرسيليا ليلتحق بالجزائر و عند وصوله وجه مباشرة الى المدرسة العسكرية بشرشال لإجراء تربص نظري و تطبيقي و بعد الانتهاء من فترة التكوين العسكري و النفسي بالمدرسة العسكرية عين برنار درافي في 16 أوت 1959 في الفيلق 51 للمشاة بالشمال القسنطيني وفي 12 سبتمبر 1959 كلف من طرف قائد الفيلق بالإشراف على المجموعة الثامنة بمنطقة باينان بولاية ميلة . و يصف برنار رحلته من قسنطينة الى مركز باينان قائلا: رافقني نقيب كلفته القيادة العسكرية لإيصالي لهذا المركز الأكثر خطورة و أنا متوجه معه إلى باينان شاهدت العديد من الجنود الفرنسيين و الكثير من نقاط التفتيش في كل مكان عندها أحسست بأن مهمتي سوف تكون معقدة خاصة و أني لاحظت العديد من نقاط المراقبة الموجودة على امتداد الطريق الذي كان وعرا و ملتويا. و يضيف برنار أنه أثناء الطريق حدثه النقيب عن خطورة المنطقة و بسالة المجاهدين و تغلغلهم في اوساط السكان و طلب منه أن يأخذ حذره و يحتاط لأنه ليس في الجزائر العاصمة أو في وهران أو المتيجة، و يضيف برنار أنه تلقى العديد من الارشادات و النصائح من طرفه حيث نصحه بغض الطرف عن العمليات التمشيطية التي سوف يقوم بها العساكر الفرنسيون و كذلك عليه ألا يناقش كل التجاوزات التي يقترفها الجنود الفرنسيون في حق سكان باينان لأنه لن يجد من يسمعه . مركز الغابات كان مقرا للتعذيب و التنكيل عند وصولنا يقول الجندي إلى هذا المركز علمت أنه كان ملجأ للتعذيب فقام النقيب بتقديمي لبعض الجنود قصد التعرف عليهم و زيارة الأماكن المخصصة كمكاتب التحقيقات و نادي الضباط بعدها طلب مني أن اكتشف القبو الموجود بداخل هذا المركز الذي كان يعذب فيه المساجين و المجاهدون . في تلك الليلة يضيف برنار قتل ثلاثة مجاهدين تحت التعذيب الذي سلط عليهم وسمعت ايضا صراخهم و أنينهم الذي لم يفارق اذني حتى الآن . هؤلاء المساجين لفظوا أنفاسهم الأخيرة من شدة شربهم للماء و امتلاء بطونهم به و هذا امام مرأى و اعين العساكر الفرنسيين الذين وجدوا في تلك العملية متعة وتسلية . و يواصل برنار حديثه: بعد فترة من تواجدي بالمركز خرجت في أول خرجة رافقني فيها 36 عسكريا كانوا تحت تصرفي إلى غابة باينان الكثيفة الجميلة حيث قمنا بحملة تمشيطية لاحدى المشاتي و عند وصولنا قامت مجموعة متكونة من 12 جندي بتكسير و تحطيم كل شيء كان امامهم حينها صرخت و طلبت منهم التوقف عن ممارسة العنف و التحطيم فتفاجأوا لهذا الموقف غير المعهود هم الذين اعتادوا على مثل هذا التصرف إذ كانوا في جل خرجاتهم يقومون بالعبث و التخريب و الاعتقالات في صفوف المواطنين بغير وجه حق. السجن الأحمر بفرجيوة حركى باينان كانوا يغتصبون النساء ويبقرون بطونهن تحدث أيضا برنار في كتابه عن تجاوزات حركى باينان و ما قاموا به في حق النساء كالاعتداء على شرفهن و بقر بطونهن و الاعتداء على حرمات السكان الذين كانوا يدعمون الثورة في الجبال و في احدى الخرجات الميدانية للقوات الفرنسية و اللفيف الاجنبي و المظليين بقيادة الجنرال ديكورنو و مجموعة من حركى بباينان قام رئيس الحركى و هو عريف بقتل امرأة قامت بشتمه اثناء العملية التمشيطية أمام هؤلاء جميعا دون ان يحركوا ساكنا . و لم تنج مشاتي باينان من الحرق و التخريب و السرقة التي اقترفها هؤلاء المظليين و يذكر الكاتب أنه أثناء هذه الهجمات الشرسة رأى طفلا صغيرا مرميا ينزف دما لم يتلق اي اسعافات أولية حتى توفي بعد ساعات من الهجوم . و في المساء تم التحقيق مع شخص آخر مات بدوره تحت التعذيب و تلاه مجاهد آخر متأثرا بالضرب و آساليب التنكيل التي استعملها هؤلاء الجلادون . و قد تواصلت حملة القتل من طرف الفرنسيين و الحركى بباينان بشكل يومي و اعتيادي ففي احدى الأيام يضيف الجندي، قتل حركي من باينان امرأة لأنها قاومته دفاعا عن شرفها وقد قام بقتلها على مرأى من سكان المشتة مضيفا أنه حدث أن قرر حركي من باينان الهروب من عمله فقبض عليه و عذب من طرف زملائه الحركى حيث بقي معلقا لمدة أسبوع يقتات من فضلاتهم و يشرب من بولهم قبل ان يجهزوا عليه . و قد اتهم برنار درافي نقيب مركز باينان بالسكوت عن تجاوزات هؤلاء الحركى و الجنود الفرنسيين الذين عاثوا في الارض فسادا حيث قاموا ذات مرة بهتك عرض الكثير من النساء و لم يحرك النقيب ساكنا و لم يقم بمعاقبتهم على أفعالهم الشنيعة و يضيف أيضا أن حركي واحد لوحده و هو عريف أول و مسؤول عن فرقة الحركى بباينان قام بمفرده بقتل أربعة نساء بسبب عدم تمكنه من ممارسة الجنس معهن و هتك اعراضهن . برنار يطلب مقابلة عميد القطاع العسكري بميلة لابلاغه بالتجاوزات و نظرا للعديد من التجاوزات التي سجلها برنار درافي أثناء تواجده بباينان من طرف الفرنسيين و الحركى طلب مقابلة عميد القطاع بميلة من أجل ابلاغه بمختلف التجاوزات غير الانسانية و التي لا تدخل ضمن أعراف الحروب المتعارف عليها و التي لا تحترم القوانين الدولية كما قال و أيضا بسبب عدم اهتمام نقيب مركز باينان و عدم استجابته لمختلف ردود فعل برنار تجاه ما كان يجري داخل قبو المركز. فقرر برنار أن يكشف ما شاهده من انتهاكات و أنواع التعذيب بمختلف اشكاله و أصنافه بمركز باينان إلى قيادة القطاع التي قامت باستدعائه و تعيينه في منصب آخر . تعيينه في منصب ضابط للاستعلامات بميلة في أواخر شهر نوفمبر يعين برنار درافي بالمكتب الثاني كضابط للاستعلامات بميلة هذا المنصب الذي كان محتكرا من طرف العسكريين النظاميين و تعجب لسبب اختياره لهذا المنصب الحساس و الذي لم يكن مخصصا للعساكر المجندين اطلاقا فعرف أن قيادة القطاع تريد اقحامه في عمليات التعذيب و الاستنطاق واستعمال طرق غير قانونية مع المساجين و المقبوض عليهم .