نشر العام الماضي آخر عمل روائي له تحت عنوان (مذكرات كلب عراقي)، ضمنه الكثير مما يجول في خاطره وخاطر غيره من العراقيين حول جرح بلدهم، إبداعه لا يرتبط بالرواية فقط، له بصمة في الشعر والقصة وأكيد في الترجمة والبحث.. إنه الكاتب والباحث العراقي “عبد الهادي سعدون"، الذي حاوره “الأثر" واكتشف بعض طقوس وأسرار الكتابة عنده.. تابعوا. ما جديد انشغالاتك الأدبية؟ أصدرت منذ فترة قصيرة، روايتي (مذكرات كلب عراقي)، عن دار “ثقافة" في بيروت، وهي رواية عن أوضاع العراق على لسان كلب يمر بخطوب ومقالب الحياة المختلفة منذ ولادته وحتى رحيله الإجباري عن البلاد. وقبلها صدر لي عن دار النشر الإسبانية (Alhulia) منتخبات شعرية بعنوان (حقول الغريب)، ضمت قصائد منتخبة من دواويني الشعرية الصادرة في العشر سنوات الأخيرة منذ 2000 حتى 2010، تتقدمها دراسة موسعة للباحثة الإسبانية آنا ريبول. وحالياً، أكتب نصوصا قصيرة متفرقة لا أعرف لها جامع محدد، قد تتشكل مع مرور الوقت ضمن موضوعة وكتاب واحد. لست من أولئك الكتاب الذين يضعون مخططا لمشاريعهم الكتابية، أنا مشتت بطبعي وفي الكتابة لا أشذ عن هذا الدرب، مع ذلك أشعر بالتزام معين، مع نفسي على الأقل، أن أكتب بجدية عندما أشعر بقوة الفكرة وإغرائها وأحاول أن أمنحها كل مناخاتها الممكنة. مع ذلك يمكنني القول إن بحوزتي كتاب قصصي مكتمل، نشرت البعض من نصوصه في المجلات الأدبية وأنوي نشره العام القادم. كيف تدبر شأن الكتابة وفق رزمانة جدل الفصول؟ حقيقة ليس عندي فصل ولا وقت معين للكتابة. الكتابة عندي ممكنة في كل الظروف والأحوال. ما أحتاجه هو الوقت وحسب، والذي قد تسعفني به شروط الحياة أم لا، ولكن من تجارب عديدة في حياتي، دائما أسطو على الوقت وأمطه كبساط رحب حتى أستطيع التمتع بوقت كافٍ للكتابة. أما الحديث عن هذا الفصل (الشتاء) فأغلب شهوره أمضيها بالبحث والقراءة وكأنني أهيئ نفسي لتمرين الأشهر التالية للكتابة، قد يكون هذا حديا أو صفة بأغلب مناخاتي الكتابية ولكنه ليس شرطا ثابتا، فالتجاوزات دائما ما تحضر وبشدة. ألم تميل إلى الكتابة في الفصول الدافئة؟ أميل وبشدة للفصول الدافئة، وهي الأشهر التي أشعر فيها بالتجدد ومسك الحياة من عرفها. أعتقد أن أغلب ما أكتب وأعيش كتابته في هذه الأوقات الدافئة من السنة، لكنني لا أعتقد أن لها علاقة بالإلهام بقدر ما لها علاقة بالارتياح الذاتي وكأنني أنتظر فصل الدفء لأواجه الورقة عاريا ومستعدا لتجريب كل المتع المتاحة في الكتابة. نهاية نصك ما الذي تعنيه لك؟ نوع من إرتياح قلق، الارتياح للإنجاز والقلق أن يكون كل ما صرفته من وقت وأفكار لا تستثير ولو قارئ واحد. نعرف أن الكتابة جهد فردي، وفي المقام الأول الكتابة للترويح وإقناع النفس بجدوى ما تكتب، ولكنها أيضاً مشرعة الأجنحة لتحلق على رؤوس وأذهان العديد من القراء. كل هذه الخلطة المغرية تحيل الذهن إلى جمرة متوهجة أثناء الكتابة وما بعدها. لا أعتقد حقا أن الكاتب ينتهي من مهمته ما أن يصدر كتابه، بل أن التساؤلات والتفكير يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير. المتلقي هل ينادمك ساعة الكتابة؟ كنت وما أزال، أعتقد أن الكتابة هي نوع من الرقى لمعالجة الروح قبل كل شيء، لذا أراها موجهة لإقناعي بجدواها قبل الآخرين، ولكن مع مرور الوقت أجدني متحيزا لمراقبة ردود فعل الآخرين، بل بجدواها وقدرتها على إقناعي بجدوى هذه الرقى. يمكنني القول إنني توصلت لحل وسط ما بيني وبين القارئ، الكتابة بمعاضدة الذات ومن ثم الطفر حتى الخط المقابل لأكون واحدا من هؤلاء القراء. القارئ على أية حال هو الوجه المعكوس للكاتب في مرآة كتاباته.. قل لي الآن من لا يهتم ولو بالنظر لمرة واحدة عبر هذه المرآة؟ من الجنون اليوم أن تتجاهل الرغبة بمراقبة أذهان وشفاه الآخرين الذين يقرأونك. الرقابة إلى أي حد هي قيد بالنسبة لك؟ الكاتب المقيد لا ينتج نصا حرا ولا كتابة مقنعة. هذه ليست قناعة مفبركة وجاهزة، بقدر ما هي إنجاز نتوصل له من خلال المران الكتابي المستمر. قد أكون محظوظا بأن أغلب ما كتبته وجد له مكانا خارج شرنقة الرقابة الأخرى وكذلك الرقابة الذاتية. قد أكرر أقوالا أخرى لكتاب آخرين، ولكن الحقيقة الوحيدة التي أراقبها هي أن أكتب نصا جيدا متجاوزا كل شروط الرقابة الذاتية.. الكتابة في حياتي نوع من التطهر والحرية وهما نقيضان لا يلتقيان مع أي تشارط ورقابة ذاتية. دون كتابة ما هو الوضع الذي كنت ستكون عليه؟ دون كتابة من الممكن أن أكون شخصا آخر، لا يمت بصلة لي، هو شخص آخر بالضرورة أكاد لا أتعرف عليه. الكتابة بالنسبة لي خيط يمنح لحياتي معنى وسحرية تجعلني قادرا على تحمل الحياة نفسها. الكتابة هي الممثل الأنسب للحياة أو هذا ما أراه لحياتي مع الكتابة. الحياة لها معنى كبير، الكتابة صبغتها الأكثر تميزا وسطوعا. هل تجد تعريفا للكتابة؟ لا أجد تعريفا مقنعا للكتابة، إلا بوصفها الشكل الأسمى في الحياة. ابتكار الكتابة برأيي هو أهم إنجاز بشري على مدى العصور، وأن أكون جزءا منها لهو شيء خارق. الكتابة بتعريف مبسط الممثل الوحيد لشعوري بالخلود، لا تثيرني متع الحياة الأخرى بدرجة قصوى مثل الإحساس المنشط النافض للجسد والروح في لحظة الكتابة. ما هو شعورك إزاء كل كتاب جديد تؤلفه؟ مع كل كتاب جديد أنشره أشعر وكأنني لم أكتب بعد الكتاب الحقيقي الذي أحلم به، كتاب عميق يمثلني كليا ويشير بشكل متميز لنتاجي والذي أحاول أن أكتبه في الكتاب القادم. ولكن الحقيقة، هي أنني في كل مرة أجد أن ما أحلم به موجود في كل ما كتبته وكأنني أجمع هذه الشذرات المتناثرة في النصوص كلها لتشكل هذا الكتاب الواحد الوحيد الذي كتبته وما أزال أسعى للإضافة له بنصوص أخرى. ليس هناك رضى كامل ولا خذلان كامل، أعتقد أن الواحد منا سيستمر للأبد وكأنه في المحطة القادمة سيكتب أفضل ما عنده. هل تعتبر نفسك مترعا في النشر؟ أنا من النوع البطيء جدا بالنشر، وإن كنت لم أتوقف عن الكتابة حتى في أحلك الظروف. لا يخرج كتاب من عهدتي للمطبعة إلا وأكون راضيا بشكل وبآخر عنه. ليس بالضرورة أن يكون متميزا ولكن على الأقل أكون قد كتبته لأكثر من مرة وأعدت قراءته ومراجعته لمرات، ويكون قد اطلع عليه من أصدقائي المقربين. من الصعب أن تنشر شيئا دون أن تكون قد تأكدت من جدواه، وإلا فالسلال المثقوبة لا تجمع ثمرا. بعض النصوص نشرتها في وقت قياسي لزمن كتابتها، والكثير منها مازال مخطوطا ومؤجلا، شيء ما يدعوني للتريث في العديد من كتبي قبل نشرها لدرجة أنني حتى هذه اللحظة لا أعرف حقيقة أن كانت ستظهر إلى النور أم لا. أعتقد أن تقتنع بما تكتب وتنشر هي المعضلة الكبرى لدى كل كاتب. عبدالهادي سعدون في سطور: كاتب عراقي مقيم باسبانيا منذ عام 1993، ولد سنة 1968 ببغداد. باحث ومترجم مختص في اللغة والأدب الاسباني، حاز، مؤخرا، على جائزة الإبداع الأدبي الشعرية، جائزة أنطونيو ماتشادو العالمية، إسبانيا، 2009. له العديد من الإصدارات الأدبية من بينها: (اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر) قصص 1996، (كنوز غرناطة) رواية للأطفال 1997، (تأطير الضحك) شعر 1998، (ليس سوى ريح) شعر 2000، (إنتحالات عائلة) قصص 2002، (عصفور الفم) شعر 2006، (الكتابة بالمسمارية) شعر 2006، (دائما شعر) 2010، ورواية (مذكرات كلب عراقي) 2012. ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات.