تشكل الانتخابات الرئاسية التي ستعيشها أفغانستان هذا الخميس محطة جديدة تعلق عليها آمال كبيرة في مسيرة الديمقراطية التي تأبى أن تجد لها تربة خصبة أو شروطا موضوعية لتحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع، في بلد تنهشه الحرب والصراعات العرقية والتكالب الدولي عليه بدعوى محاربة الإرهاب. فأكثر من 10 ملايين ناخب أفغاني سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للبلد وسط تحديات أمنية خطيرة وأوضاع اقتصادية وسياسية معقدة وصعبة. فعلى الصعيد الأمني عاشت أفغانستان هذا العام أعنف صيف لها منذ العام 2001، حيث تضاعفت الهجمات والعمليات الإنتحارية ووصلت إلى 400 عملية في أسبوع واحد وخاصة في شهر جوان الماضي، في الوقت الذي تواصل قوات المارينز الأمريكية عمليتها العسكرية في ولاية هلمند ضد مواقع الطالبان تحسبا للانتخابات. فالهاجس الأمني ألقى بظلاله على سير الانتخابات، خاصة مع تواصل هجمات حركة الطالبات وإرباك قوات الناتو، آخرها الهجوم الذي استهدف مقر الناتو ومقر السفارة الأمريكية في العاصمة كابل!! وإلى جانب المخاوف الأمنية، تقف المعوقات الاقتصادية هي الأخرى كحجر عثرة أمام الانتخابات حيث تعيش أفغانستان انهيارا تاما لاقتصادها وانتشار مظاهر مروعة من الفقر والجوع والحرمان من أبسط الخدمات وارتفاع معدلات البطالة وتفشي الفساد وسوء استخدام المساعدات الدولية. فالأوضاع الاقتصادية المتدهورة لغالبية الشعب الأفغاني قللت من معدل أملهم في أن تتمكن الانتخابات من تغيير هذا الواقع الصعب والمرير، والأوضاع السياسية هي الأخرى لا تقل قتامة حيث تقف المؤسسات المنتخبة والأحزاب والنخبة الحاكمة عاجزة أمام تأثير التركيبة القبلية والنعرات العرقية على الوضع السياسي في أفغانستان. فكل هذه العوامل شكلت تحديا حقيقيا للانتخابات الرئاسية ليوم الخميس وما إذا كانت ستخرج أفغانستان من المآزق التي تتخبط فيها اليوم في ظل استطلاعات للرأي تعطي فرص الفوز للرئيس المترشح حامد قرضاي وبنسب متقدمة على منافسيه؛ فمن بين 41 مترشحا لا نجد حظوظ المنافسة الدقيقة للرئيس المترشح قرضاي سوى من جانب المترشحين، وزير الخارجية الأسبق عبد الله عبد الله وهو باشتوني الأصل وأشرف غاني وزير المالية الأسبق وهو أيضا من الباشتون الذين يشكلون ما يقارب 50٪ من سكان أفغانستان. وإذا كان حامد قرضاي يراهن في فوزه بالانتخابات على التحالفات التي عقدها مع شخصيات قبلية فاعلة ونافذة وزعماء الميليشيات ورجال أعمال وأوساط أخرى، فإن المترشح عبد الله عبد الله حاول كسب ود الرأي العام الأفغاني من خلال التعبير عن رغبته في بناء أفغانستان قادرة على الدفاع عن نفسها بدون وجود قوات أجنبية، في حين ركز المترشح أشرف غاني الذي يعول كثيرا على الدياسبورا الأفغانية، على المسائل الأمنية والإقتصادية، واعتبر استرجاع الأمن أولوية الأولويات وتخفيف منابع الإرهاب بمحاربة المخدرات ورفع أجور سكان الأرياف. وقد تقاسم المترشحان عبد الله وغاني الأدوار في توجيه النقد اللاذع لحكومة قرضاي وفشلها في الميدان بتبذير الملايير من أموال المساعدات وانتشار الرشوة والخضوع لتأثير زعماء القبائل! وإذا كانت انتقادات عبد الله وغاني تحمل قدرا كبيرا من الصحة والموضوعية، فإنها لم تشكل هاجسا بالنسبة لقرضاي الذي يبدي اهتماما خاصا بموقف الأمريكان الذين عقدوا عدة اجتماعات على مستويات عالية مع عدد من المترشحين فيما تشهد علاقاتهم مع قرضاي فتورا ملحوظا منذ عدة شهور، وكأن ورقة قرضاي لم تعد الوحيدة في يد الأمريكان على الساحة الأفغانية!! فالموقف الأمريكي سيكون له تأثير على نتائج الانتخابات، إذ من غير المتصور أن تغامر واشنطن بقوات الناتو في أفغانستان في حرب ضروس لتأتي الإنتخابات الرئاسية بنتائج تعاكس مخططاتها الأمنية والاقتصادية في هذا البلد الذي ترغب في تحويله إلى ممر للإمدادات النفطية في السنوات القادمة. فالإنتخابات الرئاسية الأفغانية تحكمها عدة اعتبارات محلية كالتركيبة العرقية للشعب الأفغاني والتحديات الأمنية لحركة الطالبان التي ترفض الانتخابات في ظل الاحتلال إلى جانب اعتبارات إقليمية ترتبط بدول الجوار لأفغانستان التي تراقب عن كثب تطورات الوضع في هذا البلد، واعتبارات دولية تقوم أساسا على ما تقرره الولاياتالمتحدة وحلفاؤها من دول الاتحاد الأوروبي بخصوص الصعوبات الكبيرة التي تعترض الحرب هناك على الإرهاب والتوجه نحو تعزيز عدد القوات. وفي الأخير وفي ظل كل هذه الاعتبارات يبقى الغائب الأكبر هو المواطن الأفغاني الذي يعيش يوميا الأمرين بسبب غياب الأمن وخواء البطون، وقد عبر الكثير من المواطنين الأفغان عن سخطهم من حكومة قرضاي التي اتهموها بالفشل والرشوة، ويقول أحدهم إن أفغانستان بعد ثلاثين عاما من القتال يبدو أنها بحاجة إلى قائد قوي ونزيه، في حين يرى هارون مير مدير المركز الأفغاني للدراسات السياسية أنه "بغض النظر عمّن سيفوز في الانتخابات فإن الحكومة القادمة ستكون ضعيفة ولن يكون بمقدورها القيام بإصلاحات". فالانتخابات الرئاسية في أفغانستان تعد وقفة أساسية تستلزم التأمل في مستقبلها السياسي الذي يتطلب استرجاع الأفغانيين أولا وأخيرا لسيادتهم وأخذ زمام الأمور بأيديهم وإسقاط حجج ومبررات تواجد القوات الدولية على أراضيهم. فمن الأهمية بالأساس بناء قوات أمنية من جيش وشرطة تتميز بالفعالية الميدانية لمحاربة الإرهاب إلى جانب إرساء سياسة اقتصادية ناجعة لتحسين ظروف المعيشة للشعب الأفغاني وهنا لا بد أن تقوم المؤسسات المنتخبة بدورها بعيدا عن النعرات القبلية والعرقية. فمصير أفغانستان إذن لن يكون بيد القوات الدولية، وإنما بيد الشعب الأفغاني ولوحده!. الأزهر محمد ماروك باحث جامعي