هي فعلا منارات مضيئة في درب الظلام المطبق من كل الجهات، هم أولئك الذين تمردوا على ما فرض عليهم من عتم دامس يعيشون فيه طوال أيام الحياة، لينيروا الطريق لسواهم من بني البشر، وليقدموا إليهم، من هناك، من منطقتهم المعتمة ضيقة المساحة واسعة الامتداد، ما جادت به محاولات بذلوها للنظر من زاويتهم غير المألوفة لسواهم من أبناء جلدتهم وإخوانهم. يعتبر الشيخ الفقيه الورع عبدالعزيز بن عبدالله بن باز... أشهر علماء وفقهاء الجزيرة العربية، الذي تلقى الناس فتاواه ورسائله بالقبول، وتتلمذ على يديه المئات، وهو الإمام الصالح الزاهد، مرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. في الفتوى والعلم. نشأ بن باز في كنف أسرة عريقة في العلم والتجارة، معروفة بالجود والكرم وحسن الأخلاق، أصلهم من المدينةالمنورة، وقد ولد - رحمه الله - في الرياض في الثاني عشر من شهر ذي الحجة في العام 1330 هجري، وترعرع فيها وشب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناويا للحج والعمرة. تربى بن باز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة عن مظاهر الدنيا ومفاتنها الكاذبة، إذ الرياض في ذلك الوقت كانت منارة العلماء وأئمة الدين، وفي بيئة غلب على أجوائها الأمن والاستقرار، ولد بن باز - رحمه الله - مبصرا، ولكن ضعف بصره في العام 1346 هجري، إثر مرض أصيب به في عينيه، ثم ذهب جميع بصره في العام 1350 هجري، ولم يكن قد تجاوز العشرين عاما. وبالرغم من هذه المحنة إلا أنها لم تثنه أبدا عن طلب العلم، وتحصيله، ولم تنل من همته أو عزيمته، بل استمر في طلب العلم ملازما صفوة فاضلة من كبار العلماء والفقهاء، فاستفاد منهم أشد الاستفادة، وأثروا عليه في بداية حياته العلمية بالرأي السديد والعلم النافع، والحرص على معالي الأمور والنشأة الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والتربية الحميدة، ما كان له أعظم الأثر وأكبر النفع في استمراره. لم يسمح الفتى الضرير لإعاقته البصرية أن تنال من عزيمته، بل لعله تمكن من الاستفادة منها فوائد عدة نذكر منها: الأمر الأول: حسن الثواب وعظيم الأجر من الله - سبحانه وتعالى - فقد ورد في صحيح البخاري حديث قدسي جاء فيه: إن الله تعالى يقول: "إذا ابتليت عبدي بفقد حُبيبتيه عوضتهما الجنة". أما الأمر الثاني: فهو قوة الذاكرة، والذكاء المفرط، فقد كان - رحمه الله - حافظ العصر في علم الحديث، فإن سأله أحد عن حديث من الكتب الستة، أو غيرها، كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى، وجده - في غالب أمره - مستحضرا للحديث سندا ومتنا، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه. الأمر الثالث: هو إغفال الدنيا ومباهجها وفتنتها وزينتها، فقد كان بن باز - رحمه الله - متزهدا فيها أشد الزهد، وتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله سبحانه وتعالى. الأمر الرابع: أن بن باز - رحمه الله - استفاد من مركّب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه، وحطمها بالجد والمثابرة، حتى أصبح من كبار العلماء، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك الفهم، وقوة الاستدلال، وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب وضياء في العقل، وحبا للعلم، وذكاء في القلب. بالرغم من المكانة الرفيعة التي حظي بها بن باز - رحمه الله - إلا أنه كان آية في التواضع وحسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزة في النفس، كان - رحمه الله - يكره أن يمدحه أحد، فقد كان قدوة في الزهد والورع وإنكار الذات، والهروب من المدائح والثناءات العاطرة. ما بين كتب في العقيدة الإسلامية بأنواعها وأقسامها المختلفة، وفي الفقه وأصوله وقواعده، وفي العبادات والمعاملات والبيوع المحرمة، وفي الحديث وأصوله ومصطلحاته، وفي الأذكار وفوائدها... تنوعت مؤلفات بن باز - رحمه الله - التي أثرى بها المكتبة الإسلامية، ولا يزال الله تعالى ينفع بها المسلمين. كما وضع - رحمه الله - كتبا في التراجم، وعن المرأة المسلمة ودورها في بناء المجتمع، وإنقاذها من براثن الكفر الشبه الضالة، وفي التشريع والجهاد في سبيل الله، وفي فضل الدعوة إلى الله، ومسؤولية الشباب المسلم، وفي الحض على الزواج المبكر. وألف كتبا تدفع المطاعن والشبهات عن الإسلام، وأخرى عن الغزو الفكري والقومية العربية والحداثة الشعرية. ووجدت مؤلفات بن باز - رحمه الله - رواجا هائلا وانتشارا كبيرا، حتى إن كثيرا منها ترجم إلى لغات عدة، كي يستفاد منه، ووصلت هذه الكتب إلى أدغال إفريقيا. كانت سمعته ومكانته الحسنة... تتمدد تمدد أشعة النور النافذ، ترتفع مع النجاد، وتنزل إلى الوهاد، لا تغلق دونها الأبواب، وليس لها حجاب، ولا يحرم منها هيَّاب، ولا يمحوها ضباب، كأنها شمس لا تغيب، يستضيء بها البعيد والقريب، كما تحلى بصفة الأمانة في الدين، وجمع إليها صفات نادرة، فحاز من المكارم ما لم يحذه ذو سلطان، ولا ذو فصاحة وبيان، ولا ذو نسب ومال وكيان، بل جمع الله له محاسن الأخلاق شيما ومروءة، وشمما يندر أن تجتمع لأحد، فسبحان من يختص بفضله من يشاء.