تعود حكاية الأكشاك الفوضوية أو ما يسمى المحشاشات لتتصدر المشهد الرمضاني، حيث يقوم شباب من مختلف الأعمار بنصب «برّاكات» في أحيائها الشعبية التي لا يكاد يخلو أي منها من «محشاشة»، لا تختلف عن بعضها سوى في الحجم، ولأن هذه المواقع كثيرا ما تتحول عن نشاطها الظاهري، إلى مكان لتعاطي الممنوعات بطريقة أو بأخرى، وأحيانا تتطور الأمور لتصل لحد ممارسة الرذيلة، ما جعل مرتاديها ينحصرون في فئة معينة من الشباب.. لا شيء أسهل من فتح «محشاشة»فلا سجل تجاري أنت ملزم بامتلاكه، ولا رقابة يمكن أن تمنعك من ذلك، وهو الأمر الذي شجع الكثير من الشباب على دخول هذا العالم، حيث يكفي أن تكون لديك «شواية» وبعض الكراسي لتقوم بمزاولة هذا النشاط، والمحشاشات تختلف عن بعضها من حيث الحجم، فبالإضافة إلى الأنواع الصغيرة والتي تتخصص عادة في بيع قلب اللوز والمكسرات، وهو الشكل الأكثر انتشارا في أغلب الأحياء، هناك نوع أكبر حجما يشبه إلى حد ما البيوت القصديرية، حيث يلجأ أصحابها إلى اقتناء الآجر والصفائح المعدنية لأجل بنائها في زوايا الأحياء أو المساحات العمومية، رغم عدم حصولهم على التراخيص بالبناء، إذ تقدم خدمات متنوعة فزيادة على بيع الشواء والحلويات، تقوم بتقديم الشاي والمكسرات وحتى أحيانا توفير شاشات لمتابعة المباريات، وهي بهذا أقرب إلى المقاهي رغم أنها لا تزاول نشاطها بشكل رسمي. فتح «محشاشة»حكر على أبناء الحومة أما أصحاب هذه المحلات، فينتمون إلى أعمار مختلفة، لكن في الغالب يكون أصحابها من الشباب خاصة الصغيرة منها، حيث يستغل هؤلاء الشباب الشهر الفضيل للتخلص من شبح البطالة ولو بشكل ظرفي، كما أن تصادف رمضان في السنوات الأخيرة مع فصل الصيف، سمح لكثير من الشباب بإيجاد فرصة عمل، خاصة مع قلة فرص مزاولة الأنشطة التجارية الأخرى، التي عادة ما يلجأ إليها الشباب على مستوى الأسواق الموازية، غير أن الشرط الأساسي في صاحب «المحشاشة»، والذي يتميز به هذا النشاط عن غيره من الأنشطة التجارية، هو أن يكون صاحبها من أبناء الحي، حتى يلقى إقبالا وقبولا لدى شباب الحي، لأن جوهر هذه الخيمات الرمضانية أو الوتر الذي تلعب عليه، هو وتر الأصحاب وأبناء «الحومة»، الذين يشكلون زبائن هذه المحلات في الغالب. ربيع «المحشاشة» بعد التراويح دوام «المحشاشة» يبدأ مباشرة بعد الإفطار، حيث يقوم أصحاب هده الخيم الرمضانية وفي ظرف لحظات، بنصب طاولاتهم وتزيينها بالحلويات، وفي مقدمتها قلب اللوز الذي يأتي على رأس طلبات الزبائن، زيادة على إعداد الجمر بغرض الشواء الذي يعد أحد الخدمات الأساسية والضرورية لاستقطاب الزبائن، وبمجرد أن يخرج أبناء الحي من بيوتهم بعد تناول وجبة الإفطار، يجد هؤلاء «المحشاشة»في انتظارهم، ورغم أن هذه الأماكن لم تعد في السنوات الأخيرة المقصد المفضل لكثير من الناس، بسبب الخلفية التي تكونت عنها لدى الكثيرين، إلا أن وقت الذروة بالنسبة لشبه المقاهي هذه، يكون بعد صلاة التراويح، حيث يقوم المصلين العائدين إلى البيت بشراء المشوي أو قلب اللوز من «المحشاشات»الصغيرة، أما الكبيرة فتستقطب جماعة الشباب الذين يقضون وقتا طويلا في السهر وسمر، لاينتهي في الغالب إلا مع بزوغ الفجر. المخدرات تشوه صورة «المحشاشة» رغم أن «المحشاشة»كانت إلى وقت قريب مكان لتجمع أبناء الحي، غير أنها عرفت في السنوات الأخيرة استغلال بعض المنحرفين لها لأغراض سلبية، من خلال الترويج للمخدرات والحشيش، حيث تحولت في السنوات الأخيرة بشهادة الكثير من العارفين بشؤونها، إلى مكان لبيع الحبوب المهلوسة، حيث لم يعد يخفى على أحد هذا الأمر، وهو ما دفع مصالح الأمن السنة الماضية، لمداهمة بعض هذه «المحشاشات»، خاصة المتواجدة على مستوى الأحياء الشعبية، حيث أدت هذه الممارسات الخارجة عن عرف «المحشاشة»التي تعود عليها الجزائريون إلى زعزعة مكانتها لديهم، حتى أصبح ينظر بدونية إلى مرتاديها، وهو ما لمسناه في آراء بعض الشباب الذين استطلعنا آرائهم في الموضوع، فالأغلبية كانت لديها فكرة سلبية عن «المحشاشة»، لذلك تفضل الذهاب إلى مقاهي الانترنت على التوجه إلى ذلك المكان، في حين يؤكد بعض الآخر أن علاقتهم بها لا تتجاوز شراء قلب اللوز أو الشواء منها، وهو ما يؤكد أن الصورة السلبية ل«المحشاشة»أصبحت واقعا ملموسا. جيران «المحشاشة» ناقمون عليها وما يعزز ذلك أكثر هو أن السكان الذين تجاورهم هذه الخيم الرمضانية، غير راضين تماما عنها، حيث يعيب الكثير من المواطنين على أصحاب المحشاشات نصب خيمهم بالقرب من المنازل والعمارات، وعدم احترام حرمة البيوت، حيث يؤدي نصب الخيم بالقرب من المنازل إلى حرمان أصحاب البيوت من استعمال الشرفات خاصة النساء، بسبب الصخب الذي يحدث داخل تلك الأماكن، وإمكانية سماع كل أنواع الكلام البذيء، بعد أن تفعل المخدرات فعلتها في عقول متعاطيها، وما يزيد الأمر سوءا هو استمرار تلك الحالة من اللغط إلى ساعات متأخرة من الليل، ما يؤدي في كثير من الأماكن إلى وقوع مناوشات بين السكان ومرتادي هذه «المحشاشات».