هي نفحة من نفحات القدر، تتجلى للإنسان في غياهب من الظلم والليالي الحالكات، لترجعه برغم الضغوط والضربات المتتالية إلى التفكير وبجد في نواحي الحياة المضيئة ، لمن أراد أن يترك النظر في بقعة سوداء بحجم عقلة الأصبع في الثوب الأبيض الواسع الفضفاض ، يا من ضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ويا من ادلهمت أمام أعينكم ظلمات الخطوب، خلق الكون واسعا لا متناهيا قد وسع البشر والشجر والحجر ومالا تتصورونه من المكونات ، فكيف تضيق فيه أنفس هي من الصغر ذرة في هباء، أستغفر الله فليس الملوم كون لا يعقل ، وإنما الإنسان أولا وآخرا من يتحمل وطأة المصائب المنصبة. فيزيد من تلك الرزايا مضاعفتها في نفسه بالتفكير والعيش وسطها لا يبرح دائرتها، ويندب حظه الأعثر الذي جعله عرضة للمصائب، ولعلها ما وجهت له -والأمر على العموم في قانون البلاء كذلك- إلا لتمحيص نفسه والخروج من شرنقته الضيقة إلى آفاق أرحب بها يستطيع التحليق كنسر يطير في آفاقها العالية، وما أعلمه من قراءات لكتب تقص أنباء الفرج بعد الشدة هو حمد لمن كانوا مستهدفين بشدائد مرت عليهم لأنها أبرزت خفايا كانت مغيبة عن العين حين حفرت في مكامن النفس وأبرزت المخبأ من نقص وقصور عن الكمال واعوجاج وفتور عن اللحاق بركب الإنسان الكامل في عرف الفلاسفة والمتصوفة، فعادوا يحمدون ما كانوا يذمون قبل التجريب، وانقلبت المحنة منحة، والضار نافعا، والمر حلوا، وما أشد جهل الإنسان وأبعده عن العدل والنصفة حتى مع نفسه . كم ممن يقصون نماذج من البلاء وقعوا فيه وكنت أحكي لهم قصة السلطان والوزير وما كانت تتوج به كل حادثة تحدث لهم يوحي ظاهرها السوء والشدة واللاخير، فيدبجها الوزير بعبارة '' فيها خير''، إلى أن انتهت القصة بما تعلمون . وليس نموذج أو نموذجان ممن اعتبروا بهذه القصة، وعدها دستورا في التعامل مع إحن الحياة ومحنها. وليعتبر المرء بما في قصة أحد الماضين، وكان معدودا من الصابرين في البأساء والضراء، ولقد اجتمعت عليه مصائب كثيرة، فما زادته إلا شكرًا لله، وصبرًا على ما ابتلاه الله به، يقول سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة: خرج عروة بن الزبير إلى الوليد بن عبد الملك فخرجت برجله آكلة فقطعها، وسقط ابن له عن ظهر بيت فوقع تحت أرجل الدواب فقطَّعته فأتاه رجل يعزيه فقال: بأي شيء تعزيني؟ ولم يدر بابنه فقال له رجل: ابنك يحيى قطَّعته الدواب قال: وأيم الله لئن كنت أخذت لقد أعطيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. وروي أنه قال: اللهم كانوا سبعة أبناء فأخذت واحدا وأبقيت ستة فلك الحمد على ماأخذت ولك الحمد على ماأبقيت، وكن أربعًا (يقصد أطرافه الأربع) فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثًا، وأيمنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت. هي الحياة بحلوها ومرها، فمنهم الذي رآها بعين التفاؤل فعاشها خالي البال هنيئه، ومنهم الذي سودها وضيقها فكانت ضنكا وقبحا ووبالا، وكل حياة لكل فرد هي من صنع الأفكار، وبمقدور البعض أن يصنع من الليمونة المرة شرابا حلو المذاق، ومنهم الذي...... من يك ذا فم مر مريض ***** يجد مرا به الماء الزلالا