كشفت أطراف من المعارضة التونسية ل ”الفجر”، أن رئيس الحكومة المؤقتة التونسية، محمد الغنوشي، تلقى طيلة الأسبوع الماضي، الذي سبق المشاورات التي أعلن عنها مع رموز المعارضة التونسية، ”المعترف بها”، عدة مكالمات هاتفية من مسؤولين سامين في الخارجية الفرنسية والأمريكية، في شكل استفسارات عن الوضع الداخلي بتونس، حرصت فيها عدة شخصيات فرنسية وأمريكية، على رسم شبه ”خارطة طريق” لمحمد الغنوشي، في تعامله مع أطراف المعارضة التي سيدعوها للحوار، بغرض تشكيل الحكومة المؤقتة أوضحت ذات المصادر، أن الفرنسيين والامركيين عبروا للغنوشي عن تخوفهم من استغلال بعض أقطاب المعارضة التونسية، التي وصفوها بالراديكالية، لضعف السلطة الحالية في تونس والفراغ القانوني الذي عرفته البلاد عقب خروج الرئيس بن على المفاجئ من الحكم للتموقع في الساحة السياسية التونسية من خلال مشاركتهم في الحكومة المؤقتة والتحضير جديا لدخول الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة، التي سيكون لهم بالتأكيد تأثير كبير على نتائجها وعلى طبيعة نظام الحكم المستقبلي في تونس، خاصة وأن البعض منهم اكتسب خلال السنوات الماضية، بسبب القمع الذي تعرضوا له من طرف حكم بن علي، مصداقية كبيرة لدى الرأي العام التونسيي في الداخل والخارج. وأكدت ذات المصادر أن أسماء رموز المعارضة التونسية التي تكررت على لسان الدبلوماسيين الفرنسيين والأمريكيين، هي خاصة زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، ورئيس حزب العمل الشيوعي، حمة همامي، ورئيس حزب المؤتمر الجمهوري، منصف مرزوقي . وتكرر خلال محادثات الدبلوماسيين مع رئيس الحكومة التونسي، خاصة من الجانب الفرنسي ”أن المصالح المشتركة الفرنسية التونسية يمكن أن تتضرر ”بوجود معارضة راديكالية في البرلمان التونسي ومراكز القرار الأخرى، وهي المصالح التي حرص الفرنسيون على تذكير الغنوشي بأنها ”حيوية وتخص أيضا مستقبل تونس”. وفسرت ذات المصادر هذه المصالح المشتركة بتخوف فرنسا خاصة من إسلاميي حركة النهضة لراشد الغنوشي، بالنظر للمعطيات والظروف الإقليمية والدولية، التي لا تسمح ، حسب تحليلات الفرنسيين، من تغلغل التيار الإسلامي في دواليب السلطة والمجتمع التونسي واحتمال أن تربط الشخصيات الإسلامية التونسية، التي ستتمكن من النشاط في العلن، علاقات مع التيارات الأخرى المتطرفة في الجزائر وإيران والسودان، مع التذكير أن فرنسا تواجه حاليا أكبر معضلاتها في تسيير الأزمات المتتالية التي تواجهها مع تنظيم القاعدة في المغرب العربي، الناشط حاليا في دول الساحل. وزيادة على المخاوف الأمنية هذه، عبر الفرنسيون عن هواجسهم من فقدان ”الامتيازات الاقتصادية والتجارية”، التي كانوا يستفيدون منها خلال فترة حكم بن علي عن طريق لوبيات المصالح وبتواطؤ من عائلة بن علي التي مكنت العشرات من الشركات الفرنسية من تحقيق أرباح طائلة في قطاع السياحة والصناعات المتوسطة، في صفقات تخللتها رشاوى وعمولات ضخمة، بعيدة عن الشفافية والمنافسة النزيهة مع الشركات الأجنبية الأخرى. وحتى وإن لم يكن للأمريكيين مصالح اقتصادية كبيرة يمكن أن تتضرر من صعود معارضة راديكالية ديموقراطية في تونس، إلا أنهم ابدوا تخوفهم من تحول تونس الى نقطة جذب للتيارات المتطرفة المناهضة للولايات المتحدةالأمريكية، أو من تعتبرهم أمريكا، ”خطرا على مصالحها الحيوية”، مثل تنظيم القاعدة في العراق وأفغانستان وحزب الله في لبنان، التي يعتقد الأمريكيون أن حركة النهضة لراشد الغنوشي تحظى لديهم بتقدير واحترام كبير. أما بخصوص التحفظات على مشاركة حمة الهمامي ومنصف المرزوقي من الطرفين الفرنسي والأمريكي فهي مبنية، حسب تحليلات مصالح استخبارات البلدين، على مخاوف مستقبلية من تبني هذان التياران الراديكاليان اليساريان لمواقف مساندة أو مدعمة لأنظمة أو حركات سياسية معادية للليبرالية والسياسات الأمريكية مثل فنيزويلا في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى من العالم بما فيها اسرائيل. وتجمع تحليلات الدبلوماسيين الفرنسيين والأمريكيين، لتبرير تدخلهم في تشكيل الحكومة التونسية المقبلة على اعتبار أن الوضع الإقليمي الراهن في شمال افريقيا خاصة في الجزائر و مصر، ”هش بدرجة مقلقة”، و لا يسمح بحدوث ردات فعل تهز استقرار هذين البلدين، بالنظر لطبيعة المصالح الاقتصادية الضخمة الموجودة مع الجزائر والاستراتيجية الحيوية والأمنية بالنسبة لنظام الحكم في مصر، مع الإشارة الى انعكاسات ” تشتت نظام الحكم في مصر” على التوازنات في الشرق الأوسط و أمن إسرائيل على وجه الخصوص. كما حرصت الدبلوماسية الفرنسية من جهتها على تذكير حكومة الغنوشي بأن فرنسا ومن خلال صندوق النقد الدولي، الذي يرأسه الفرنسي دومينيك شتراوس كانت مستعدة ، لتقديم كل الدعم والمساندة لتمكين الاقتصاد التونسي من التعافي والعودة مجددا الى النمو الطبيعي. وأكدت شخصيات من المعارضة التونسية المعنية بالإقصاء المبرمج لها من المشاركة في تسيير شؤون البلاد، أن محمد الغنوشي أعطى إشارات إيجابية للأطراف الخارجية المذكورة ، بتعامله مع مخاوفهم ”بكل تفهم”، في انتظار وضوح الرؤيا ومن خلال المحادثات التي سيجريها مع أطراف ”المعارضة المعترف بها”، والتي يعمل حاليا على تليين موقفها بالقبول بالمشاركة في الحكم دون اشتراط مشاركة المعارضة الأخرى، الراديكالية المحسوبة على راشد الغنوشي وحمة همامي ومنصف مرزوقي، التي تطالب بمنع أي نشاط مستقبلي للحزب الحاكم، التجمع الدستوري خلافا لشخصيات معارضة أخرى، والتي لا ترى مانعا في مشاركته ”الحزب الحاكم” في الانتخابات المقبلة التشريعية والرئاسية وهو ما يراه زعماء المعارضة ” الراديكاليون” الثلاثة خطرا كبيرا على الديمقراطية الناشئة في تونس، لا يمكن القبول به أو التسامح معه، وهي نقطة الخلاف الجوهري مع توجهات محمد الغنوشي ، الذي تتقاطع خياراته مع مطالب الفرنسيين ، الذين يعتبرون الابقاء على عناصر من الحزب الحاكم في الحكومة المقبلة والبرلمان ” ضمانة لاستمرارية مصالحهم في تونس من دون بن علي” . فهل ستضيع المعارضة التونسية على نفسها وعلى الشعب التونسي فرصة قطف ثمار نضال مرير خاضته بكل أطيافها طوال أكثر من عشرين سنة من القمع والحرمان تحت دكتاتورية بن علي من أجل المشاركة في حكم صوري لا يضمن تحقيق أهداف النضال وتحقيق الديمقراطية كاملة وغير منقوصة.. تلك هي الأسئلة التي ستكون الأيام المقبلة حاسمة للإجابة عنها.