عرضت بعض القنوات العربية خلال الشهر الفضيل بعض البرامج التي تناولت التراث الثقافي الجزائري، ناهيك عن اهتمام قنوات أخرى بالطبخ الجزائري، واليوميات الرمضانية. بثت في الأيام الأولى من رمضان، قناة "الجزيرة الوثائقية" فيلم بعنوان "تاجماعت المدينة المزهرة" للمخرج سفيان حرقوس. ويروي جانبا مهمّا من تراث منطقة القبائل والذي لازال قائما إلى اليوم، ويسعى أبناء المنطقة للحفاظ عليه كعنصر فعال في التنظيم الاجتماعي. وينطلق الفيلم من سفح جبل شامخ يقع بين الأرض والسحاب، تنصب فوقه قرية جميلة متناسقة البنيان بعيدة عن التلوث والصخب. نص هذا الفيلم كتبه مخرجه وهو باللغة الأمازيغية (القبائلية)، يقول فيه المخرج إنّه في رحلة العودة إلى مسقط رأسه؛ بحثا عن أثر أجداده. ويقول في تعليقه: "طريقي إلى منطقة القبائل بشمال الجزائر لأرى أهلي هناك". ثم سرعان ما تدخل الكاميرا إلى القرية وتسمى أمسيد ببلدية شلاطة في ولاية بجاية. ويجلس ويمرّ في أزقتها الرجال والنساء خاصة من المتقدّمين في السن بلباسهم التقليدي، علما أنّ عدد سكانها يفوق 6 آلاف نسمة. وبعض أبنائها يسمونها بالمملكة العجيبة، ليصل المخرج إلى مسقط رأسه، ويتذكّر جدّته الجوهر التي كانت تحكي له الحكايات العجيبة، تعوّضها اليوم العمة "نا مقدودة"، التي تتحدّث أمام الكاميرا عن قريتها، وكلّ المنطقة. ثم تدعو المخرج لعملية جني الزيتون مع النسوة القرويات. وفور الانطلاق في الجني تغني النسوة أغلبهن متقدّمات في السن، عن المجاهدين. ومما يقلنه: "جاءوا من مبيتهم بالغابة من آث عباس، مسندين على سلاحهم. رددي يا جبال، ما كان بالدم"، ثم يرددن نفس الأغنية، لكن باختلاف المناطق، منها خبنوش، وهكذا. ومن ضمن ما تضمّنه الفيلم مشاهد الشتاء القارس مع تساقط الثلوج، وشهادة العمة مقدودة كيف تكون الحياة صعبة، فأحيانا تبكي إحداهن من تجمّد أصابعها، ثم الحديث عن المؤونة من خبز الشعير والفلفل، فيما يتحدّث الرجال في الفيلم، عن عالم الزراعة. وعن العادات والتقاليد تقول العمة حرقوش مقدودة إنّ المرأة في ما مضى، كانت أكثر حشمة وكان لها الدور الأهم في الأسرة، التي لم تكن تعرف شيئا اسمه طلاق، فيما روت السيدة بوزلمان وردية لويزة حياة البؤس التي كانت تعيشها المرأة القبائلية؛ إذ كانت تكتفي بقطعة كسرة، وتعمل طول النهار، ورغم ذلك لم تكن تشتكي. ويقدّم الفيلم أيضا للمشاهد العربي، نبذة عن تاريخ المنطقة، وتاريخ سكانها الأمازيغ ليدخل مباشرة بعدها لتقليد تاجماعت، مبرزا جلساته التقليدية التي تجمع الرجال خاصة من الشيوخ، ليؤكّد الفيلم أنّ هذا النظام الاجتماعي استهدفه الاستعمار الفرنسي للقضاء عليه، ولتفكيك بنية المجتمع، لكنّه فشل وظلّ قائما حتى الاستقلال. كما اهتم بهذا التنظيم كبار العلماء، وجاءوا لدراسته منهم كارل ماركسوروزا لوكسمبورغ وإيميل دوركايم، وألفوا فيه كتبا. وتبيّن من ذلك أنّ المنطقة تعيش حضارة جبلية، هي إضافة للإنسانية قبل أن تكون تراثا شعبيا محليا. كما عرض الفيلم نماذج أكثر عصرنة لتاجماعت تجرى في مكتب مع أشخاص أصغر سنا وبلباسهم العصري، يتناولون في جلساتهم المغلقة شؤون القرية، واحتياجاتها، والمشاريع الواجب إنجازها. وتميّز الفيلم بتقنية عالية في التصوير (محمد بن زاي)، إضافة إلى موسيقى "أشويق"، وطبيعة المنطقة الخلابة خاصة في الربيع والشتاء. كما اتّفق جلّ المتدخلين من أبناء المنطقة، على أن تاجماعت هو الحل. أغاني الثورة تنشَد على فضائية عربية استقبلت قناة "ميادين" منذ أيام، الفنانة الجزائرية نادية قرفي، وهي مهتمة بالتراث الغنائي التراثي الأصيل الخاص بمنطقة الشرق الجزائري. وقد أكّدت في هذه السهرة، أنّ الفنان الحقيقي هو الذي يهتم بشؤون مجتمعه وبمواضيع منها الوطن، والغربة، قائلة إنّ موضوع حب الوطن أخذ من أعمالها القدر الأوفر، وهو شرف كبير لها، وبعض أغانيها التراثية والوطنية انتشرت كثيرا وسط الجمهور الجزائري والعربي. وفي سياق حديثها أيضا قالت إنّ هذه الأغنية الأصيلة لا تقبل الاندثار، مستعرضة بعض الأغاني الشاوية المتعلّقة بالثورة، إحداها قصة أخت تحث أخاها على الالتحاق بالثورة، والوقوف مع الوطن. للإشارة، هذه السهرة واللقاء الذي بُث مباشرة من بيروت، حضره سفير تونسببيروت، الذي تناول بدوره حضور الأغنية في الثقافة الشعبية وفي المقاومة منها في الجزائر.