سواء اتفقت أو اختلفت في توصيف الحالة المصرية القائمة منذ الثلاثين من جوان الماضي وما نتج عنها في الثالث من جويلية/ يوليو 2013، باعتبارها ثورة شعبية تلتها استجابة للقوات المسلحة لمطالب الجماهير، أو باعتبارها انقلابا عسكريا، سبقه حراك شعبي كبير، فان ما لا ينبغي الاختلاف حوله هو ضرورة الخروج من الحالة القائمة الآن بأقل الأضرار ، والنظر بعيدا من أجل دراسة الآليات الكفيلة بتجاوز المأزق الذي وقعت فيه البلاد نتيجة عوامل موضوعية كثيرة سبقت التاريخ المذكور أعلاه. ودون الإسهاب طويلا حول تلك العوامل التي اشترك فيها المجلس العسكري السابق واللاحق والإخوان المسلمين طوال عام من حكمهم الموؤود، فإن المخرج الأوحد هو الانتقال نحو الحالة الدستورية بأسرع وقت وأقل تكلفة ممكنين. ولا أحد يختلف بأن الحالة الدستورية تستوجب كتابة دستور وطني توافقي يتجاوز اصطفافات المرحلة القائمة، وبالرغم من التبريرات الكثيرة التي يمكن أن تصاغ حول استحالة إيجاد "توافق حقيقي" في ظل حالة الاستقطاب الحاد الذي تشهده الحالة المصرية، فإن ما ينبغي إدراكه أن أي دستور لا يحظى بالتوافق الوطني/المجتمعي في حده الأقصى محكوم عليه بالفناء، ولعل دستور عام 2012 خير دليل على موضوعية هذا الطرح .. ولا أعرف كيف لفقهاء دستوريين ومنظريين سياسيين وقادة رأي ظلوا يعيبون على حكم الإخوان أنه لم يؤسس لحالة توافق دستوري، أن يجدوا اليوم مبررا موضوعيا لتمرير دستور فيه من العوار والقصور ما يستحق إعادة النظر والبحث عن مخارج للوصول إلى حالة التوافق !! بل إن الأمر تعدى مطلب التوافق إلى حد الترويج السلبي والدعاية السوداء من قبيل الإعلانات مدفوعة الأجر في أكثر من وسيلة إعلامية ظلت تروج تحت شعار "صوّت بنعم وعرفهم حجمنا" ..وكأن الدستور تحول من وثيقة توافقية إلى مسودة كيدية لإقصاء طرف ما من أطراف المعادلة السياسية والمجتمعية ! وهنا لا يهم الكم بقدر ما يهم النوع، لأن الدستور وثيقة تؤسس لبنية دستورية متكاملة وطويلة الأمد تتجاوز التحديات الراهنة وتنتمي للمستقبل وهي رافعة العمل السياسي بأسره، وبالتالي من غير المتصور أن يتم إعداده بطريقة متعجلة أو بطريقة تهدف إلى معالجات سياسية آنية أيا كانت غايتها النهائية. وبصرف النظر عن المنتوج الدستوري المطروح اليوم للنقاش المجتمعي وكيفيات إعداده، فإن من الواضح أنه لم يتم إقراره بطريقة مثالية، فضلا عن أن الدعاية المرافقة في حد ذاتها تعبر عن ذهنية أزمة أكثر من كونها عقلية وفاق. فالواقع المصري لا تعوزه الاصطفافات والاستقطابات الحادة حتى يضاف إليها استقطاب جديد من قبيل الشعارات الكيدية التي تبث عبر وسائل الإعلام والإعلانات مدفوعة الأجر! قليل من الرشاد قد يساهم في تقليل كلفة المرحلة القادمة.