تابع الجمهور الجزائري، طيلة 3 أيام، فعاليات المهرجان الدولي للفن المعاصر بطبعته الخامسة، في المتحف العمومي للفن الحديث والمعاصر "الماما" بالجزائر العاصمة، وقد أتى المهرجان عبر عدد من الفعاليات المتنوعة التي حملت تيمة الغياب كسؤال ونقاش إبداعي فيما يتعلق بالأمكنة والمدن والبشر، حيث افتتح معرض بعنوان "ضد الغياب" شارك فيه كل من أندرياس هملت روس بعرض سمي "نيمير بنظرة أخرى"، يجمع المعرض المدينة برمتها وقد استعير عنوانه من عمل ماكس ارنست، أمثلة لصور تتسم بالذاتية تتلاقى فيها اللحظات التوثيقية مع التأويلات الفنية، وتم فيه عرض صور فوتوغرافية بالألوان وبالأبيض والأسود، صور عن الحياة الحضرية في مراكز وضواحي مدن ألمانية كبيرة، لا تحكي عن الوقائع الحضرية والطوبغرافية بقدر ما تحكي عن الناس الذين يعيشون في تلك المدن، والآثار التي يخلفونها وراءهم يوما بعد يوم. تحكي لنا الصور من حين لآخر قصصا حدثت لحظة التقاط الصورة أو تسجل شيئا فعله الناس وبقي حاضرا، حتى وإن كان أولئك الأشخاص لا يظهرون في الصورة. إن أندرياس روس يبحث عن لحظات يتكلم فيها الواقع عن نفسه قضى سنوات يصور في المدن الألمانية الشرقية وفي برلين، يجد صورا لبشر وعلاقاتهم مع بعضهم البعض، علاقات مشحونة بالغوايات والانفعالات التي تخزنها المدينة الكبيرة لقاطنيها، وموضوع اندرياس روس يتعلق بمسائل تخص هوية البشر والمحيط الحضري، وتدور حول العلاقة بين العمومي والخاص، وحول نوافل الأمور والحقائق الجلية لعالم يتغير بأسرع مما يمكننا غالبا إدراكه. وحضر أيضا "شارل جانز مارتان" بعرض "من أجل الجزائر"، وهو مصور ومخرج وكاتب، كانت أول زيارة له للجزائر العاصمة في عام 2009 بمناسبة المهرجان الثقافي الإفريقي، ثم عاد إليها عام 2010، رافقه أصدقاؤه الجدد وجعلوه يكتشف مدينة مليئة بالمناظر الخلابة والمتنوعة، لقد كشفت له الجزائر صورا جديدة، ذكرته بطفولته ومنزله والأمكنة المفضلة لديه، وقد أنتج في عمله هذا نظرة قوية للجزائر بل وحتى حالة ذهنية، كما أنه أدرج فيه بعض المشاهد التي التقطها في بلاده ليشد انتباهنا إلى تشابهات وليعلمنا أنه لم يشعر بالغربة في الجزائر، أوليس الفن في الحقيقة ممرا يتجاوز الحدود. ويحضر ثالثا "مومارتا" بعرضه "متحف أدوات ترد الغائب"، مشروع "متحف أدوات ترد الغياب" على شكل مداخلة فنية تصور مشروع المتحف في ظل غياب الأشخاص والوثائق التي تتعلق بتاريخ الفلسطينيين في الكويت، والذين شكلوا مجتمعاً حيوياً وفي زمن منذ ما قبل بداية النكبة والتهجير وحتى عام 1990. ويبحث المشروع في خصوصية هذا الظهور الفلسطيني عبر إنتاج مجموعة من ثمان وعشرين قطعة فنية تنشد ما بهت من هذا العصر الذهبي للمجتمع الفلسطينيالكويتي وتستذكره.. وفي غياب العموم الرسمي للصور الجماعية والقصص والأرشيف تعتمد الذاكرة، الهشة والمجزأة، مرجعاً لبناء مجموعة من مثل مقتنيات هذا المتحف. وعلى هامش المعرض جرى يوم دراسي عنوانه "ضد الغياب"، بمقر المتحف، شارك فيه كل مي النقيب من الكويت، وتطرقت محاضرتها إلى أربع نقاط أساسية عن الفلسطينيين في الكويت. تستكشف الأولى بعض الأسباب التاريخية لوجودهم في دولة الكويت الخليجية، وتناقش في الثانية أحداث عام 1991 التي أدت إلى الطرد الجماعي للجالية الفلسطينية من الكويت، بينما بحثت في الثالثة بعض أثار غياب هذا الشعب من الكويت نفسها، لتصل إلى النقطة الرابعة حول مستقبل الفلسطينيين في الكويت، أو بكلمات أخرى: يمكن قراءة هذا الغياب على أنه علامة على توجه أوسع للتخلص من السرديات والثقافات والتجارب الفردية في سبيل الرواية المهيمنة ذات الصوت الموحد للكويت، يستلزم السعي إلى تشكيل الأجزاء الأقل تراصا، الأقل محدودية، والأكثر أصالة في المجتمع إلى التعريف بهذه الفرديات المغيبة، وربما الفلسطينيين الغائبين ليسوا بآخرهم. وحاضر أيضا جاك أسود وكريستين خوري من لبنان، وعادت كرستين خوري في محاضرتها إلى افتتاح المعرض التشكيلي العالمي من أجل فلسطين يوم 21 / 3 / 1978 في بيروت، وكان بداية لمجموعة متاحف للفلسطينيين في المنفى، وقدمت بحثا في تاريخ هذه المبادرة عبر القصص والاكتشافات، التي تتراوح ما بين كتالوج المعرض والتاريخ الشفوي والروايات الشخصية والمقابلات ومواد أرشيفية. ربطت هذه المواد ببعضها، وروت قصصا حول بدايات المشروع والمؤشرات التي سبقته وكذلك الرؤى والذكريات والشبكات المخفية والروابط التي توضحت عبرها الصداقات والجماعات الفنية لدعم القضية الفلسطينية. وعاد يحيى سويلم من مصر في محاضرته إلى بدايات حضور الفنانين التشكيليين الفلسطينيين إلى الكويت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي وعددهم وتأثيرهم بخلق الفضاء الإبداعي في البلد. وحول مشروع "بيكاسو في فلسطين"، كانت محاضرة الفنان التشكيلي والمسؤول عن إحضار لوحة "بيكاسو" إلى فلسطين، خالد حوراني، وأشار خالد حوراني إلى أن تنفيذ هذا المشروع تطلب منه عامين كاملين من العمل المتواصل المحفوف بالتحديات. وعاد إلى بدايات المشروع عامين، ففي حزيران العام 2009 شرح لطلابه في الأكاديمية الدولية للفنون في رام الله فكرة مشروع "بيكاسو" في فلسطين وعرض عليهم صوراً متعددة من متحف في هولندا وطلب منهم اختيار اللوحة التي يعتقدون أنهم يريدون جلبها إلى فلسطين، والهدف من ذلك هو دمجهم في المشروع والتفكير بشكل التنفيذ الذي يتطلب وإنشاء متحف، وهو عملياً التفكير بشكل أوسع وأكبر حجماً نحو مشروع فني. ولأنها كانت أول مرة تحضر فيها لوحة لفنان عالمي إلى فلسطين، كانت العملية تقتضي مساهمة كبيرة من عدة جهات للدخول في تعقيدات إدخال اللوحة إلى رام الله والتأمين على هذه اللوحة، عدا عن أجهزة الحرارة والرطوبة والحراسة والسفر وغيرها. وأكد حوراني أن الإبداع لا يكمن في اللوحة نفسها ووجودها في فلسطين فقط، بل يتعدّى ذلك إلى عملية إحضار اللوحة وكيف أدخلت عبر حاجز لدولة لا نملكها ومطار محتلّ لا نملكه. وتحدث "حليم قارة بيبان" من تونس عن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر بتونس وطنجرة الضغط: تسلسل زمني حيث أشار إلى أن هدفه لفت النظر بطريقة ساخرة، إلى حقيقة أن لا متحف للفن الحديث أو المعاصر بتونس. وشاركت الكوريغرافية نصيرة بلازة ضمن فعاليات المهرجان بإبداعها الراقص الجديد "دويتو مونبليي".