استعانت الشاشة بمشاهد ونصوص دخيلة لا علاقة لها بصفاء الصورة المستقلة، أو باستثمار تقنية الترسل كركيزة درامية (بلاكمايل لألفريد هتشكوك 1929)، أو ما سماه « كريستوف وول رومانا « صناعة سينما الهامش، محاولة منه منح ما هو سردي طابعا سينمائيا. اعتبر بعض المناوئين لهذه الوقفة التقنية التي انتقلت بالصورة النقية إلى الصورة الملوثة مساسا بالسينما، وكانت هذه النقلة مؤشرا لموت السينما، قبل أن يعيدوا النظر في مواقفهم بعد سنين، ومن هؤلاء الذي اعترضوا على فكرة المزاوجة: أنتونين أرتو، أندري دولون، وشارلي شابلين. يشير المخرج فرنسوا بانيول في «سينما باريس» (1967) إلى أنّه لقيّ معارضة شديدة من المسرحيين الذين اعتبروه مارقا. لقد عدّ السينمائيون الصورة الناطقة تقنية إضافية لا تشكل امتدادا للمسرح. في حين اعتبر المسرحيون أنّ انتقال أحد ذويهم من الكلمة إلى الصورة يعدّ انحرافا. كما رفض أندري جيد هذه المجاورات، منتصرا إلى الاستقلالية التي تجعل لكل فنّ عالمه:« أعتبر شيئا مشئوما أيّ تعدّ لأيّ فنّ على فنّ آخر، لكلّ فنّ أدواته الخاصة، بلاغته الخاصة، طرق تعبيره الخاصة به (...) لقد تخلصت في كلّ رواياتي تقريبا من كل المناظر والشخصيات التي بدت لي من عالم الرسم». الشيء نفسه بالنسبة لجان بريفوست: «السينما، تستعمل وسائلها الجديدة وإجراءاتها المستحدثة التي لم تكن ملكا لأحد، إضافة إلى أنها تجعل المخرج مستقلا بفنه وواعيا به»، وهي الفكرة التي تواترت لدى بعض السينمائيين والروائيين الذين دافعوا عن الفنّ الخالص، مع أنّ تاريخ أفلام هوليوود اعتمد على سرد مارغريت ميتشل وجون شتاينبك وتينيسي وليامس، وغيرهم من الروائيين والمسرحيين. غير أنّ إشكالية الكلمة والصورة عرفت جدلا واسعا أسهم فيه روائيون ومسرحيون وكتّاب سيناريو ومخرجون، إضافة إلى وساطة المنتجين والناشرين وحضورهم كطرف في مناقشة قضايا جوهرية: الكلمة والصورة، المجاورات، الاختلافات، التقنيات، الاقتباس، الأمانة، الخيانة، التأثيرات، التبادلات، الهجرات، الأسبقية، الجنريك، طبيعة الملصقات، إلخ. استفادت السينما من السرد والقصيدة بشكل كبير، ومن ذلك ما تعلق بالمروي، وبمختلف المكونات السردية التي انتقلت إلى الشاشة بتحويلات أصبحت موضوعا من الموضوعات الخلافية، ومما استفادت منه السينما: الشخصيات، الحكايات، القصائد، الثقافة، الحوار، المدارس الأدبية. في حين امتصت الآداب من السينما عدة تقنيات، ومنها التوازي، التركيب، الاقتصاد، التقطيع، التدرجات. الاقتباس: كان هذا العنصر من أهمّ النقاط الخلافية، كما عرف رفضا من قبل بعض الكتّاب الذين رأوا أنّ المخرجين يعتدون على منجزهم. ما حدا ببعض المخرجين إلى البحث عن حلّ توفيقي، ومن ذلك الصيغ الثلاث التي تواترت في التعامل مع النصوص: مقتبس عن س... أو مقتبس بحرية عن س...، أو فكرة س... هل يمارس المخرج سلطته ليصبح دكتاتورا؟ ، لقد كان دومينيك باربيريس مستاء من اقتباس كتابه «الكناغر». ما دفعه إلى المطالبة بحذف أية إشارة تدلّ عليه في الجنيريك. كما حصل مع الكاتبة ماري بيليثدو التي تأسفت للطريقة التي اعتمدها المخرج زولاوسكي في التعامل مع كتابها «لياليّ أفضل من نهاراتكم». لقد رفضت عرض الفيلم، كما أشارت إلى ذلك في كتابها: «أنا التي ما زلت أحدثكم»:« في كل صورة، وفي كل جملة وحوار، مسخ وتحريف، كأنّ ذلك من صلب عمله». وهناك في المنجز الجزائري رواية « ريح الجنوب « لعبد الحميد بن هدوقة التي قام بإخراجها محمد سليم رياض.، وإذا كان هذا العمل الجيد يبرز تقاطعات كثيرة ما بين الرواية والفيلم من جانب الحكاية الإطار، فإن هناك مجموعة من «الاختلالات» التي ظهرت ما بين ما كان أصلا وغدا فرعا، وما كان فرعا وغدا أصلا. لم يحافظ الفيلم على بعض خصوصيات النص. لقد اختزل المخرج مرويات بنى عليها الكاتب، وذلك بنقلها في لقطات متوسطة، ومن ذلك: تسلق الراعي بيت نفيسة. في حين مطط مشاهد فيما تعلق بموصوفات وأحداث فرعية، ومنها حدث موت العجوز رحمة الذي احتل جزء بسيطا من الرواية، وأزيد من عشرين دقيقة في الفيلم. لقد ركز المخرج أحيانا على الهامش، سواء من خلال اللقطات المكبرة التي لجأت إلى «الغطسة المضادة»، أو بوساطة الإضاءة، أو من خلال إضافة حوارات ومشاهد، أو بالتركيز على أحداث الثانوية . إضافة إلى ذلك، هناك ظهور تعارض ما بين الصور الذهنية والبطاقات الدلالية التي أسندت لبعض الشخصيات، ومنها الأب ابن القاضي الذي ظهر في السرد بأنه: إقطاعي، قاس، أناني، وبين ملامحه وأحاديثه في الفيلم كشخصية ليست ذات علاقة كبيرة بتلك التي وجدت في المتن، وهناك التعارض الجذري بين الخامتين المتنافرتين. الصور البلاغية في فيلم « زوربا» : كان الفيلم ذا قدرات عالية في التعامل مع أجزاء من الرواية، كالمشاهد وتقنية تقديم الشخصيات بواسطة اللقطات القريبة أو المكبرة، أو تأسيسا على الموسيقى والإضاءة ومختلف التقنيات الأيقونية والبصرية. مع ذلك فقد وجد صعوبة في التعامل مع الصور البلاغية التي تتجاوز إمكانات الشاشة. فيلم « زوربا « لمايكل كاكويانيس مأثرة بمجموع الحيل المبتكرة، ومنها الكوريغرافيا وموسيقى ميكيس تيودوراكيس المتممة للحكاية. وهناك رقصة زوربا التي ستنتقل إلى الثقافة بتحويل مختلف ليست له علاقة كبيرة بالنص الذي أظهر رقصة عفوية. مع ذلك، فإنّ كثيرا مما ورد في الفيلم سيبقى مثار أسئلة تخصّ مدى صدق الصورة ودرجة تفاعلها مع النص. كان « كازانزاكيس» روائيا وشاعرا، وقد ظل حضور الثاني مؤثرا على الشكل السردي. إضافة إلى ذلك، هناك ما صبغته ثقافته الفلسفية على الجملة. يمكننا الاستشهاد بعينات تعامل معها الإخراج بمستويات متباينة من الترجمة، ناقلا بذلك أجزاء من النص، ومتخليا عن أجزاء يبدو أنه كان من المتعذر نقلها إلى الصورة. ورد في الرواية: « البحر... يمتد حتى الشواطئ الأفريقية. وغالبا ما تهبّ ريح جنوبية حادة جدا، تأتي الرمال البعيدة الحارة. وعند الصباح يعبق البحر كالبطيخ الأحمر، وفي الظهيرة يتبخر ساكنا، مع تموجات خفيفة كأثداء لما تتكور تماما، وعند المساء، يتنهد، ولونه بلون الورد، والخمر، والباذنجان، والزرقة القاتمة». ركز المخرج على لواحق لنقل صور البحر والريح والرمال. غير أنّ المُشاهد، الذي سيستمتع بالتجربة الإخراجية، سيختلف عن قارئ الرواية الذي سيتساءل عن سبب اختفاء التشبيهات التي ابتكرها الكاتب، وهي مصدر جمال مخصوص. والأرجح أن تكون هذه التشبيهات، أكثر أهمية من مشهد البحر لأنها هدف من أهداف الكاتب. ومن الأساليب التي ركزت على المفارقة، هذه الصور: «يعبق البحر كالبطيخ الأحمر، تموّجات خفيفة كأثداء لما تتكور تماما، يتنهد، لونه بلون الورد، والخمر، والباذنجان، والزرقة». لسنا ها هنا أمام مشهد موحد الأجزاء فحسب، إننا أمام صور موضوعات استدعت جهدا مضاعفا، ومن ثمّ ورودها كشكل تعبيري مقصود لذاته. «وصرخ زوربا... وذابت كلّ القشرة الرقيقة التي نسميها حضارة، وفسحت الطريق للوحش الخالد، للإله المشعر، للغوريلا المرعبة. واختفى كلّ شيء...كنا نحمل... فوق أرض كريت المنعزلة هذه، كلّ مرارة الحياة وعذوبتها، بل إنّ المرارة والعذوبة لم تعودا موجودتين، ثم مالت الشمس ...وصعد القمر وراح ينظر مذعورا إلى حيوانين صغيرين». قد تنقل الصورة هذه الصرخة التي صعدت من أعماق زوربا في ذلك الفراغ، ذلك لأنّ للسينما وسائلها التي تؤهلها لأن تصوّر اللقطة، أو لأن تتجاوزها بالمؤثرات. كما يمكن أن تنقل بنجاح وقوف الشخصيتين على أرض كريت، منهزمتين، أو ميلان الشمس وصعود القمر، كمجموعة من الموصوفات المتناثرة. إنّ التأويل اللاحق هو الذي يعيد الشخصية إلى حقيقتها، إلى الأصول الحيوانية التي لا تتجلى في الفيلم. تعدّ الجملة التي تلت الصرخة: «ذابت كل القشرة الرقيقة التي نسميها الحضارة» مفتاحا لفهم طريقة تفكير الكاتب. إذ إنه بانتفاء القشرة الواهية للجانب الحضاري سيظهر الإنسان على حقيقته، وتلك خاصية من خصائص المؤلّف، بداية من كتابه «تصوّف». تكشف هذه الوحدات عن عمق الأفكار التي سوّقها الكاتب، وهي تضيء المقطوعات السردية والوصفية من جانبها الفلسفي، ومن حيث طريقة نقل الشخصيات انطلاقا من رؤية ذاتية. لذا سيكون تجاوزها شكلا من أشكال القفز على عناصر قاعدية، وتجاوزا لبعض منظورات الكاتب التي لا تتجلى في الحوار والمناجاة. المشاهد، العلامات المتحولة: تعدّ الرقصة موضوعة ذات قيمة استثنائية في النص، وهي مبررة سياقيا بمجموعة من السرود والحوارات، ومنها إبراز عجز العلامات اللغوية أمام قوة المشاعر:« ما الذي تريد أن أعمله، أيها الرئيس؟ كان الفرح يخنقني، وعليّ أن أروّح عن نفسي، وكيف؟ أروح عن نفسي؟ بالكلمات؟ بف!». نلاحظ أنّ زوربا شخصية مسنة، نحيفة، في حين أنّ للرقصة خصوصيات: للحركات ميزة جوهرية، فهي عادة ما تكون أفقية أو عمودية، مباغتة، غير منتظمة: «وغرق في الرقص، وهو يضرب بيديه، ويقفز... ويسقط على ركبتيه المثنيتين، ثم يقفز من جديد مثني الساقين. إنك لتحسّ في هذا الجسم الرميم بالروح وهي تناضل لتجذب الجسد وتلقي بنفسها معه، في الظلمات... إنها تدفع الجسد الذي يعود للسقوط، إذ لا يستطيع الثبات في الجوّ طويلا، وتدفعه من جديد.» تبرز الأفعال الطابع العفوي للرقصة التي لا اتساق لها لارتباطها بالإحساس العابر، أو بعجز اللغة غير المؤهلة للتعبير عمّا يكمن في الأعماق: «أيها الرئيس، لديّ أشياء كثيرة أقولها لك...لكنّ لساني قاصر عن ذلك. إذن فسأرقصها لك! قف جانبا حتى لا أصدمك! إلى الأمام، هوب! هوب! وقفز.». ليست هذه الرقصة سوى ردّ فعل آني، ذلك أنّ حركات زوربا لا تخضع لأي نسق. في حين يبدو زوربا( الممثل أنطوني كوين)، في الفيلم، أكثر فتوة. أمّا الرقصة فكانت مختلفة. ما يعني أنّ التمثيل بدا مغايرا، وذلك نتيجة تطعيمه بعناصر جديدة، أو بسبب تنظيمه وفق قانون قام بضبط مختلف الحركات في حيز له أبعاد تخييلية ذات محمولات دلالية إضافية. تبدو هذه البينية حاضرة بمستويات لأنها ليست نسخا للمتصور الروائي، بقدر ما هي استثمار لبعض عناصر الحكاية. ما يعني أنّ المجاورة النسبية خضعت لتعديلات أملتها الرؤية الإخراجية، ومع أنها حافظت على الأنوية الدلالية، فقد تصرفت في تفاصيل لتضع مسافة ما بين الكلمة والصورة. لقد ظل الكتاب حذرين من الكتابة الإخراجية، خاصة عندما تتعرض أعمالهم إلى المسخ، أو تتبوأ فيه شخصية المخرج على حساب قضايا لا يرغب الكاتب في التنازل عنها لفائدة العمل الجماعي، إن نحن اعتبرنا السرد عملا فرديا، مختلفا عن المسرح والسينما كمنجزين تشارك مركبين: الاقتباس، كتابة السيناريو، الديكور، الإضاءة، السينوغرافيا، الأداء،.. إلخ.