يمثل كتاب "مساجد مدينة الجزائر في العهد العثماني"، لمؤلفه رشيد دوكالي (ترجمة: لطيفة بوراية وشفيقة عيساني)، دراسة تاريخية وأثرية، تغتني بها المكتبة الجزائرية والعربية عامة، خاصة وأنه يجمع بين تقنيات العمل الميداني الأثري والتاريخي. يقدم المؤلف في هذه الدراسة، المنشورة باللغة الفرنسية، لمحة تاريخية حول ماضي مدينة الجزائر، منذ ظهورها في العهد العثماني، ومروراً بالعصر الإسلامي الوسيط. وتبرز أهميتها السياسية والاقتصادية كنقطة ارتكاز تجاري بين منطقة المغرب العربي، ومدن الضفة المقابلة للبحر الأبيض المتوسط. تشير فصول الكتاب، إلى أنه، ورغم البحوث والدراسات العديدة، إلا أن جزءاً من تاريخ هذه المدينة ونشأتها، يبقى مجهولاً ويستحق الكثير من العمل لاكتشافه، بسبب طمس الهوية الثقافية وفقدان الذاكرة التي لا يزال البلد يعاني منها، بعد ويلات الاستعمار الفرنسي للجزائر، طوال قرابة القرن ونصف القرن: (1830-1962). ويبين دوكالي في كتابه، المعالم الدينية في مدينة الجزائر، مشيراً إلى وجود 166 معلماً دينياً عشية احتلال الفرنسيين لها عام 1830، منها: 13 جامعاً، 109 مساجد، 32 ضريحاً، 12 زاوية. إلا أنّ غالبيتها، كما يقول اندثرت وهدمت بفعل المستعمر. يستعرض المؤلف في كتابه نماذج مهمة من المساجد الجزائرية، والتي تعود إلى العهد العثماني، مبيناً في البداية، المخطط الكلاسيكي لهذه المساجد، وأهم التعديلات والتأثيرات التي أدخلت عليها، وعلى مختلف أقسامها. ويهتم دوكالي عقبها، بالمقارنة بين مخططاتها وهيئتها الهندسية، فضلاً عن تعرضه بالدراسة إلى المآذن وأقسامها وزخرفتها، كما يدرس دعائم المساجد وزخرفاتها، من أعمدة وتيجان وعقود والمحاريب وأنواعها، والقباب، سواء المركزية منها أو الجانبية. يختار رشيد دوكالي في كتابه، كعينات للدراسة والبحث، أشهر مساجد الجزائر العاصمة، منها: جامع كتشاوة الواقع في قلب ساحة الشهداء المحاذية لحي باب الوادي الشعبي، الجامع الواقع داخل القصبة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأممالمتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، جامع صفر، جامع الحواتين (الجامع الجديد)، الجامع البراني. وكان للجانب الفني الزخرفي حظه الوافر ضمن الكتاب، إذ يرصد المؤلف مختلف العناصر الزخرفية في مساجد مدينة الجزائر، من نباتية أو هندسية أو كتابية. . وغيرها من الرسوم والفنون. ويقرن دوكالي، دراسته، بمجموعة معلومات حول تقنيات صناعة الخزف في مدينة الجزائر، متبوعة ببعض الجداول والإحصاءات. يتضمن الكتاب، ثلاثة فصول، يدرج المؤلف في أولها، دراسة معمارية للمعالم، وفي الثاني يحدد جانب الدراسة على عناصر الدعم. ويخصص ثالث الفصول لموضوعة الزخرفة التي تزخر بها مساجد مدينة الجزائر في العهد العثماني. يشرح المؤلف، في البداية، أصل مدينة الجزائر، عاصمة دولة الجزائر، موضحاً أنها نشأت على أنقاض موقع روماني يعرف تاريخياً ب"إكوزيوم"، وهي تحتل موقعاً مهماً. ويسهب المؤلف في ذكر ميزاتها وسمات موقعها وما شهدته من محطات تاريخية. يلفت دوكالي إلى مدى ارتباط عمارة المساجد في الجزائر بالمخطط الكلاسيكي للمسجد، إذ يتقدمها صحن مربع أو مستطيل الشكل ويدلل في المحور الأخير، على تنوع الزخرفة في هذه المساجد، لاحتوائها على مختلف العناصر. الجدير بالذكر أن رشيد دوكالي مؤرخ وأثري وباحث جزائري يعنى بدراسة المعالم الدينية والمساجد في مدينة الجزائر العاصمة، وفي الجزائر بصفة عامة. لديه مجموعة من الدراسات والمؤلفات.