الإنسان الذي لا يحبك لا يعني بالضرورة أنه يكرهك، ولكن الذي يكرهك لا بد أنه لا يحبك، وهذا الكلام يعني أنه توجد حالة وسط بين الحب والبغض وهي حالة سلبية عدمية لا تنبني عليها أحكام معينة. أقول هذا الكلام لأني رأيت صنفا عجيبا في الناس، هم من بني جلدتنا وملتنا وأحيانا من لحمنا ودمنا، ومكمن العجب في هذا الفئام من الناس أنهم ما استطاعوا أن يكونوا في حالة الوسط بين الحب والبغض، حبهم مغشوش وبغضهم محشوش -يعني مخبأ- لذلك فهم يظهرون لك الأخوة والمودة والابتسامة الصفراء عندما تقابلهم بوجهك، كما يبدون لك الرضا والسرور ما دمت توافقهم الرأي والهوى، ولكن إذا ما وليتهم ظهرك، أو خالفتم الرأي، أو اختلفت معهم فيما لا يحبون، أو رأوا عليك من النعم ما لا يرضون، فالويل لك من سهام أعينهم، ومطاعن ألسنتهم، وأحقاد قلوبهم التي تكاد تميز من الغيظ كلما رأوك أو ذكروك، والأدهى من ذلك أن تصير شغلهم الشاغل وأنت عنهم في مشاغلك متشاغل، وأكبر دليل على ذلك أحوال يبدونها، وأقوال يلقونها، تنبئك بما تكن صدورهم وما يعلنون أو يظهرون، وما يزيدهم همّا على هم أن تكون عليهم مشفق، وبهم مرفق، حتى إذا حانت اللحظة التي منها يخافون، أبديت لهم خلاف ما يظنون، فكان حالك وحالهم كمثل كفار قريش حين قال لهم المصطفى حين تمكن من رقابهم: والآن ما تظنون فيما نحن بكم فاعلون؟ والجواب: ما عهدناك إلا من الرحماء، قالوا أجمعون. فقال في عزة وشفقة: اذهبوا فإنا عنكم عافون. قد تبدو هذه الحال ضربا من الأمثال في وقتنا، ولكنها الحقيقة التي عرفناها ولمسناها من أحوال رجال اشتروا مرضاة الله عز وجل بغضب الناس فكان لهم النصر والتمكين والذكر في الآخِرين. إن مخالطة الناس قد أثبتت ولا زالت تثبت أن أكثرهم حاسد أو شامت، والحاسد هو من يتمنى زوال النعمة عنك وإن لم تعد إليه، والشامت هو من يبدي الفرح للبلية تصيب غيره، ولهذا لا نعجب من قول معاوية ابن أبي سفيان وهو على فراش الموت يعاني من الأوجاع والآلام حين قال: وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع. بل إن أحدهم ذهب على أكثر من ذلك، حين قال لولده بأن الناس كلهم إما شامت أو حاسد، وأوصاه أن يتعامل معهم على ذاك الأساس، وهذا وإن كان فيه مغالاة ومبالغة إلا أنه يدل على مدى ما عاناه هذا الرجل من أذى الغير ممن يبدون المحبة ويظهرون الشفقة إلا أن حقيقتهم عكس ذلك تماما حسد في القلب وشماتة لا يستطيعون إخفاءها، ولهذا فعندما يصاب أحدنا بملمة ومصيبة في حياته فإن الناس إزاء مصابه على صنفين: صنف حبه له خالص، يرى الهمة في عينيه حينما يأتي إليه يواسيه ويسأل عن أحواله ويدعو الله سرا وعلانية أن يخلفه في مصيبته خيرا. وصنف آخر حبه له مغشوش، يرى التثاقل في خطوه إليه والتكلف في سؤاله عنه، لسانه عن المصيبة يقول: يا ليتها ما كانت ماضية، وقلبه يدعو في إلحاح: يا ليتها كانت القاضية، عجبا. إن الود المغشوش ظاهرة نفاقية لا تنتهي صورها وأمثلتها، وكثرة صورها متأتية من كثرة العلاقات والروابط التي تربط بين الناس وتجمع بينهم، وقد سمعت مرة إحدى الفنانات العجائز تقول على شاشة التلفاز وعلى مرأى ومسمع الملايين من الناس ودون حياء أو خجل، بأنها تزوجت سبع مرات وما سلم أحد من أزواجها من خيانتها الزوجية وهي التي كانت تبدي المحبة لكل واحد منهم في حضوره، والسبب في ذلك أنها كانت تشك أو تعتقد أن أزواجها كانوا يخونونها أيضا! فأين هذه الشيطانة من تلك المرأة الصالحة التي أخلصت الود لزوجها وأخلص لها الود، حين كان يذهب كل يوم إلى عمله ويتركها في البيت، فيأتي بائع الماء أو الحليب كل صباح فيضع الإناء الممتلئ على عتبة الباب ويأخذ الفارغ، ولما ينصرف تخرج هي وتأخذ الإناء، إلى أن يأتي اليوم الذي تحركت فيه نفس الزوج الصالح لنظرة عابرة، وفي تلك اللحظة يضع الساقي الماء أمام مدخل البيت ولا ينصرف، فتخرج الزوجة على عادتها لتأخذ الجرة الممتلئة وهي تظن أنه قد انصرف، فتجده مسمرا أمام البيت ينظر إليها، فتأخذ الجرة وتعود أدراجها إلى البيت مسرعة وهي تتعجب من هذا الموقف الغريب، وعندما يأتي زوجها في المساء تسأله أن يصدقها عما حدث له مما لم يكن من عادته، فيصدقها في الحديث ويخبرها عن نفسه التي تحركت لتلك النظرة العابرة وتخبره هي بما حدث من الساقي وتقول: ''دقة بدقة ولو زدت لزاد السقا'' عجبا!