كعادتها، تشهد الانتخابات التركية أحداث ومواقف تتنوع بين الغرابة والإثارة والمأساوية تضفي طابعاً خاصاً على أحداثها السياسية الحادة وتخفف من وقع الجمود الذي يسيطر على الأجواء العامة وهو ما حصل هذه المرة أيضاً في الاستفتاء التاريخي على تعديلات دستورية تحدد مستقبل البلاد. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أدلى بصوته في مركز انتخابي في منطقة أوسكودار في الجانب الآسيوي من إسطنبول اصطحب اثنين من أحفاده معه إلى المركز الانتخابي، ووزع مئات الألعاب على الأطفال قرب المركز الانتخابي، وذلك في رسالة للمعارضة التي اتخذت من صورة طفلة وشعار «أجل مستقبل أفضل لأطفالكم»، مؤكداً أن التعديلات الدستورية تتضمن مستقبلا أفضل للبلاد. ووصل إلى مراكز الاقتراع عشرات الناخبين مرتدين ملابس تقليدية وتاريخية، منها ما يرمز للعثمانيين والسلجوقيين والأتراك القدماء وملابس «أرطغول»، فيما ارتدى آخرون وخاصة السيدات أزياء تقليدية مزركشة، كما فضل آخرين مرافقة قططهم وكلابهم إلى مراكز الاقتراع والتقطوا معها صوراً تذكارية وهم يدلون بأصواتهم، وسط حضور لافت للأطفال وكبار السن الذين تجاوز أكبرهم ال100 عام. وخصصت وزارة الصحة التركية مئات الطواقم من أجل نقل المرضى وكبار السن من البيوت والمستشفيات إلى مراكز الاقتراع من أجل تسهيل إرادتهم بالمشاركة في الاستفتاء، حيث شارك المئات من المرضى وكبار السن الذين نقلوا بواسطة فرق طبية مختصة. كما خصصت البلديات في معظم أنحاء البلاد عربات، خاصة من أجل نقل المعاقين وكبار السن وسهلت وصولهم إلى مركز الاقتراع، كما استخدمت عربات مخصصة ومروحيات ووسائل النقل البحري من أجل إيصال الناخبين في بعض المناطق الوعرة والنائية لا سيما في جنوب شرق البلاد، حيث اضطرت هيئة الطوارئ التركية للتدخل ونقل ناخبين للضفة الأخرى من نهر دجلة بواسطة قوارب مخصصة لحالات الطوارئ والإنقاذ، بجانب الطائرات العسكرية التابعة للجيش التركي. وعملاً بالقانون الذي يسمح للسجناء باستثناء أصحاب الجرائم الكبرى التصويت في الانتخابات، نشرت اللجان المختصة 461 صندوقا انتخابيا في جميع السجون التركية بعموم البلاد من أجل تمكن عشرات آلاف المساجين من الإدلاء بأصواتهم. وعلى طريقته الخاصة، أدلى التركي المشهور «نصرت غوكتشيه» صاحب سلسلة مطاعم اللحوم المشهورة عالمياً بصوته ممثلاً حركت يده الشهيرة برش الملح على الطعام وهو يضع ورقته الانتخابية في الصندوق، ونشرها على حسابه على إنستغرام الذي يتابعه 5 ملايين ولاقت انتشاراً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا والخارج. وفي محافظات عدة، وصل عروسان بملابس الفرح للإدلاء بأصواتهم، والتقطت العرائس صورا تذكارية بالبدل البيضاء وهن يضعن أصواتهن في صناديق الاقتراع. وفي مفارقة غريبة، صوت أحد العرسان على النقيض تماماً من عروسته في يوم زفافهم، حيث صوت العريس رحمي ب«نعم» للتعديلات الدستورية، فيما صوتت زوجته بشرى ب«لا»، معتبرةً أن ذلك يعكس «صورة جليّة على كون تركيا دولة ديمقراطية». وفي قرية صغيرة تابعة لولاية باتمان في أقصى جنوب شرق البلاد افتتحت لجنة الانتخابات مركز انتخابي بكامل التجهيزات من أجل إتاحة الفرصة لمواطن واحد فقط يحق له التصويت في هذه القرية الصغيرة، وعقب دقائق من افتتاح باب التصويت أدلى «محمد ألجو» بصوته وأغلق المركز أبوابه ليصبح أول وأسرع فرع انتخابي يُتم أعماله. ونشر كبار الفنانين والمشاهير الأتراك صورهم وهم يدلون بأصواتهم في الاستفتاء، ونشر نجوم الدراما التركية المعروفين في العالم العربي ك«مهند ونور والسلطانه هيام وأرطغول وتاركان ومصطفى جيجلي» صوراً خلال إدلائهم بأصواتهم، وفي حين كشف بعضهم عن نتيجة تصويته فضل الآخرين الامتناع عن ذلك. وفي ظل اشتداد الاحتقان والمنافسة قبيل صدور النتائج، وثق تركيان رهانهما على تقديم شقة سكنية للآخر في حال خسارته الرهان على النتيجة. أمنياً، شهدت مدينة فان جنوبي البلاد هجوماً مسلحاً، فجر الأحد، استهدف مسؤول حزب العدالة والتنمية الحاكم في المدينة الأمر الذي أدى إلى مقتل أحد أقربائه وإصابة آخرين، وفي مدينة ديار بكر تطورت مشكلة بين ناخبين في أحد المراكز الانتخابية لإطلاق النار أودى بحياة شخصين، وتوفي أحد المراقبين في اللجان الانتخابية في العاصمة أنقرة في ظروف طبيعية حسب ما أكدت المصادر الطبية. وعلى الرغم من المخاوف الأمنية التي سبقت الاستفتاء والتهديدات التي أطلقها تنظيم الدولة باستهداف مراكز التصويت، تمكن قرابة ربع مليون عنصر أمن تركي من الشرطة والجيش من تأمين عملية التصويت باستثناء حوادث طفيفة لم تؤثر على سيرها، وأوضح وزير الداخلية سليمان صويلو أنه يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سير الاستفتاء، لافتاً إلى وجود حوالي ألفين و199 كاميرا مراقبة تتابع سير عملية التصويت، بالإضافة إلى تحليق الطائرات المروحية للتأكد من استتباب الأمن. كما جرى اعتقال عدد من المطلوبين بتهمة الانتماء لتنظيم العمال الكردستاني وفتح الله غولن بعد أشهر من الملاحقة أثناء توجههم للإدلاء بأصواتهم.