قرأت في جريدة "الخبر"- كما اعتدت- العدد الخاص بيوم السبت 17جانفي 2015، فشدّني باعتبار التخصص "تاريخ" مقال بعنوان "الأمن الإسباني يتراجع عن بيان عنصري ضد الجزائريين"، وفحوى البيان الصادر عن وزارة الداخلية الإسبانية الموسوم ب "توصيات في كيفية تفتيش والتعامل مع العرب"، متأت من الحراك الأوروبي جراء الأعمال الإرهابية ضد مقر جريدة "شارلي إبيدو". جاء في التوصية الرابعة: “يجب إعطاء أهمية بالغة للأشخاص الحاملين للجنسية الجزائرية، الذين يعدون الأكثر إحداثا للاضطرابات، أكثر من المغربيين، وإجراءات التأكد من هويتهم يجب أن تكون مشددة”، ما ذكرني بمحاكم التفتيش التي نصّبتها إسبانيا لتفتيش المسلمين غداة حركة “الركونكويستا”. فهل تم تفتيش المسلمين فيها بالتحقق من هوياتهم؟ أم أن هناك فنون تفتيش غيرها؟ انتهى التاريخ الإسلامي في الأندلس بعد قرابة تسعة قرون باستسلام بني الأحمر وتسليم غرناطة سنة 897ه/1492م، وقبلها استسلمت عدة مدن، وإثرها أقامت إسبانيا محاكم التفتيش، التي عنيت بتنصير الموريسكيين، ومن أبى يقتل، وتشارك في هذا المصير مع المسلمين اليهود أيضا. ففي سنة 904ه/1499م بدأ التنصير القسري. ويذكر الباحث الدكتور عبد الرحمن علي الحجي، في كتابه “محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها”، أن مدينة أبلة شهدت حرق 113 مسلم خلال 3 سنوات، وفي طليطلة أبيد حرقا 1200 مسلم في محرقة واحدة. ومن الناحية الثقافية، فقد تم حرق الكتب العربية واستخراج ما عند المسلمين وإحراقه، وأصدروا سنة 1501م قرارا بإخراج المسلمين من غرناطة وإجبارهم على التخلي عن ممارساتهم الدينية. وفي سنة 1518م أكد القرار السابق، وزيد عليه في محاولة لطمس الهوية بتغيير المسلمين لثيابهم، لتستمر المعاناة بقرار سنة 1565م بمنع الكلام باللغة العربية، ما اضطر المسلمين إلى استعمال لغة “الخميادو” (aljamiado)، وهي القشتالية بحروف عربية. كل هذه الظروف دفعت المسلمين إلى رد فعل حربي، وطلب المساعدة من المسلمين في كل البقاع وممن قدم المساعدة إيالة الجزائر ممثلة بالقائدين خير الدين وعروج بربروس. هذا الأخير الذي استشهد سنة 1517م، لتستمر محاكم التفتيش في وظيفتها بتقرير الملك فيليب الثالث سنة 1518 قرار الطرد العام للمسلمين أو الموت لمن بقي. ومن مفارقات التاريخ أن الفرنسيين هم من أوقفوا “مجازر التفتيش” بقرار من نابوليون سنة 1808م، إلا أن العديد من الأديرة استمرت بأعمالها، إذ عثر أحد القادة الفرنسيين عند احتلال مدريد في دهليز أحد الأديرة سنة 1809م على أدوات التفتيش الخاصة بمحاكم التفتيش، ومنها غرف صغيرة بحجم جسم الإنسان عمودية وأفقية، فيترك فيها المسلم حتى يموت، ويتحلل لحمه ويبقى عظمه، وعثروا على عدة بقايا عظمية بشرية مكبلة بالأغلال وأيضا على مسلمين؛ رجالا ونساء وحتى أطفال، فقد بعضهم عقله، وفي الرمق الأخير كانوا ينتظرون مفتشهم الراهب الإسباني، حتى يضعهم في آلة تقوم بطحن العظام انطلاقا من قدمه وصولا إلى رأسه، أو يضع فوق رؤوسهم صندوقا لتسقط عليه قطرات الماء البارد، أو يوضع المسلم في صندوق “السيدة الجميلة” المليء بالسكاكين، أو يستعمل آلات خاصة بقطع اللسان أو أعضاء أخرى. كل هذا يسمى بمحاكم التفتيش في إسبانيا بحثا عن تغيير هوية المسلم دينه ولغته وحتى لباسه. فهل يقنع أي إنسان بتسمية هذه الأعمال الوحشية بمحاكم التفتيش؟ ولحسن حظ المسلمين والجزائريين أن السلطات الإسبانية قد تراجعت عن قراراتها الخاصة بإجراءات التفتيش الخاصة بالمسلمين والجزائريين. [email protected]