شكل الكشف والتشخيص المبكر للإعاقة والإدماج التربوي للأشخاص ذوي الإعاقة بالجزائر، موضوع الندوة المغاربية الأولى التي احتضنها نادي الجيش مؤخرا بالعاصمة الجزائر. وجاء اختيار هذا الموضوع من أجل تطوير مقاربات الإعاقة من النموذج الطبي إلى الاجتماعي بما يؤدي إلى توسيع المفهوم من العجز الفردي إلى الحواجز الموجودة في المحيط، المانعة لوصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مختلف مجالات الحياة. أوضح المتدخلون خلال الندوة أن التطور الحاصل في مجال الإعاقة يرتبط أساسا باستراتيجية التكفل بها في دول المنطقة، إذ لا بد أن ترتكز على الوقاية من الإعاقة في جميع مراحلها المتداخلة، انطلاقا من الكشف والتشخيص إلى التكفل المبكر، خاصة في المجالين التربوي والاجتماعي بهدف منع تفاقمها. من أجل هذا المسعى، فإن تكوين شبكة تواصل بين بلدان المغرب العربي مع تشجيع أهم الأطراف الفاعلة والحركة الجمعوية المعنية بمسألة الإعاقة، يكون هدفها وضع برامج خاصة للتكفل بالإعاقة من مختلف الجوانب، مع تسليط الضوء على مدى مساهمة القطاعات المعنية والمجتمع المدني في عملية الإدماج التربوي والاجتماعي، كانت الثمرة الأولى للندوة المغاربية التي حملت من جهة أخرى هدف توجيه نداء للباحثين في بلدان المنطقة من أجل تعميق البحث العلمي حول هذه الفئة، وإعطائها الأهمية المستحقة بسبب النقص المسجل حولها بالدراسة والتحليل، ولعل هذا ما يوضحه غياب الإحصائيات الدقيقة حول عدد المعاقين في الجزائر مثلا، إذ تشير المعطيات الإحصائية إلى وجود 5 % من سكان الوطن معاقين، وهي النسبة التي تصل في تونس إلى 8 %، في حين تقر معطيات الأممالمتحدة بأن عدد المعاقين بصفة عامة في كل مجتمع يتراوح بين 10 إلى 15 %. وكشف المتدخلون من جهة أخرى عن أهمية التكفل متعدد الجوانب بفئة ذوي الإعاقة، مما يعني تنسيقا متكاملا بين عدة قطاعات لضمان نظام تكفل متكامل متعدد الخدمات، بهدف تحقيق أعلى درجة ممكنة من الاندماج التربوي والاجتماعي لهذه الفئة. ولعل إرساء شبكة تبادل مغاربية بين المؤسسات الدولية من جهة، والحركات الجمعوية من ناحية أخرى في مجال البحث العلمي، إلى جانب تبادل الخبرات قصد الحد من الإعاقة وتجنب أثارها، تعتبر هدفا محوريا آخر ضمن أجندة الندوة المغاربية، لذا دعا المشاركون إلى ترقية وتطوير سياسات الكشف، التشخيص والتحسيس بالإعاقة، لرفع التحدي الأكبر بالنسبة للمعاق ومجتمعه ككل، والمتمثل في تسهيل وصول المعاق إلى المحيط المادي والحصول على خدمات جميع المرافق الموضوعة تحت تصرف المواطنين، بما في ذلك النقل بجميع أصنافه. من جهة أخرى، دعا المشاركون في الندوة المغاربية مختلف مؤسسات المجتمع إلى تحسين واقع الشخص ذي الإعاقة، ومن ذلك العمل على إيجاد الوسائل العملية للتكفل بالجانب الحركي المسهل لحياة المعاق حركيا وتسهيل اندماجه في مجتمعه بطريقة سهلة، مع التركيز على أن دور المحيط مهم جدا يساهم في تجاوز النظرة القاصرة للمعاق من جهة، والعمل على تسهيل اندماجه اجتماعيا من جهة أخرى، فالمسألة هنا لم تعد مقتصرة على ما مدى توفير السلطات العمومية للأشخاص ذوي الإعاقة في مجتمعهم، بقدر ما هي وعي جماعي لا بد أن يرقى كي لصبح سلوكا ثقافيا يوميا لدى المجتمع، ومدى مساهمته في ترقية حقوق المعاق. نشير إلى أن مصطلح “الأشخاص ذوو الإعاقة” يشمل كل من يعانون من عاهات طويلة الأجل؛ بدنية أو عقلية أو ذهنية أو حسية، قد تمنعهم لدى التعامل مع مختلف الحواجز من المشاركة بصورة كاملة وفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين، كما أن الإعاقة بمختلف أنواعها مشكلة تمس جميع المجتمعات، مما يجعلها ظاهرة إنسانية اجتماعية، وهي تأخذ مكانة بارزة في اهتمامات الدارسين والباحثين، نظرا لتفاقمها في مختلف أنحاء العالم أجمع.