خدمات الحالة المدنية لوازرة الخارجية كل يوم سبت.. تخفيف الضغط وتحسين الخدمة الموجهة للمواطن    الذكرى ال70 لاستشهاد ديدوش مراد: ندوة تاريخية تستذكر مسار البطل الرمز    التقلبات الجوية عبر ولايات الوطن..تقديم يد المساعدة لأزيد من 200 شخص وإخراج 70 مركبة عالقة    اليوم الوطني للبلدية: سنة 2025 ستشهد إرساء نظام جديد لتسيير الجماعات المحلية تجسيدا للديمقراطية الحقيقية    وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية يشدد على نوعية الخدمات المقدمة وتعزيز استعمال الدفع الإلكتروني    حزب العمال يسجل العديد من النقاط الايجابية في مشروعي قانوني البلدية والولاية    الرئيس يستقبل ثلاثة سفراء جدد    قافلة تكوينية جنوبية    تراجع صادرات الجزائر من الغاز المسال    فرنسا تتخبط    الجزائر تطالب بإعادة إعمار غزّة    هل يُعاد إعمار غزّة؟    المولودية على بُعد نقطة من ربع النهائي    مرموش في السيتي    نعمل على تعزيز العلاقات مع الجزائر    أمطار وثلوج في 26 ولاية    حريصون على احترافية الصحافة الوطنية    إحياء الذكرى ال70 لاستشهاد البطل ديدوش مراد    بلمهدي: هذا موعد أولى رحلات الحج    بسكرة : تعاونية "أوسكار" الثقافية تحيي الذكرى ال 21 لوفاة الموسيقار الراحل معطي بشير    كرة القدم/ رابطة أبطال افريقيا /المجموعة 1- الجولة 6/ : مولودية الجزائر تتعادل مع يونغ أفريكانز(0-0) و تتأهل للدور ربع النهائي    كرة القدم: اختتام ورشة "الكاف" حول الحوكمة بالجزائر (فاف)    حوادث المرور: وفاة 13 شخصا وإصابة 290 آخرين خلال ال48 ساعة الأخيرة    ري: نسبة امتلاء السدود تقارب ال 35 بالمائة على المستوى الوطني و هي مرشحة للارتفاع    مجلس الأمن الدولي : الدبلوماسية الجزائرية تنجح في حماية الأصول الليبية المجمدة    تجارة : وضع برنامج استباقي لتجنب أي تذبذب في الأسواق    سكيكدة: تأكيد على أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية تخليدا لبطولات رموز الثورة التحريرية المظفرة    تطهير المياه المستعملة: تصفية قرابة 600 مليون متر مكعب من المياه سنويا    كأس الكونفدرالية: شباب قسنطينة و اتحاد الجزائر من اجل إنهاء مرحلة المجموعات في الصدارة    العدوان الصهيوني على غزة : ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 46899 شهيدا و110725 جريحا    تقلبات جوية : الأمن الوطني يدعو مستعملي الطريق إلى توخي الحيطة والحذر    الجزائرتدين الهجمات المتعمدة لقوات الاحتلال الصهيوني على قوة اليونيفيل    منظمة حقوقية صحراوية تستنكر بأشد العبارات اعتقال وتعذيب نشطاء حقوقيين صحراويين في مدينة الداخلة المحتلة    اتحاد الصحفيين العرب انزلق في "الدعاية المضلّلة"    الأونروا: 4 آلاف شاحنة مساعدات جاهزة لدخول غزة    دخول مركب "كتامة أغريفود" مرحلة الإنتاج قريبا    التنفيذ الشامل لاتفاق السلام لتحقيق المصالحة الوطنية في جنوب السودان    اقرار تدابير جبائية للصناعة السينماتوغرافية في الجزائر    وزير الاتصال يعزّي في وفاة محمد حاج حمو    رقمنة 90 % من ملفات المرضى    بشعار "لا استسلام للخضر" في مباراة الحظ الأخير    مسابقة لاختيار أحسن لباس تقليدي    الجزائر تستضيف طبعة 2027 من المنافسة القارية    قتيل وستة جرحى في حادثي مرور خلال يومين    توقيف 3 أشخاص بحوزتهم 692 قرص مهلوس    تعيين حكم موزمبيقي لإدارة اللقاء    بلعريبي… وزارة السكن تطلق حملة لمكافحة التغييرات العشوائية في السكنات    بلمهدي يزور المجاهدين وأرامل وأبناء الشهداء بالبقاع المقدّسة    جائزة لجنة التحكيم ل''فرانز فانون" زحزاح    فكر وفنون وعرفان بمن سبقوا، وحضور قارٌّ لغزة    المتحور XEC سريع الانتشار والإجراءات الوقائية ضرورة    بلمهدي يوقع على اتفاقية الحج    تسليط الضوء على عمق التراث الجزائري وثراء مكوناته    كيف تستعد لرمضان من رجب؟    ثلاث أسباب تكتب لك التوفيق والنجاح في عملك    الأوزاعي.. فقيه أهل الشام    نحو طبع كتاب الأربعين النووية بلغة البرايل    انطلاق قراءة كتاب صحيح البخاري وموطأ الإمام مالك عبر مساجد الوطن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"حرا¤ة" يرحّلون إلى الجزائر وتنتهي أحلامهم في السّجون
نشر في الأمة العربية يوم 27 - 06 - 2009

"الأمّة العربية" تروي تفاصيل رحلة الموت من سردينيا إلى العاصمة
* مطار الجزائر.. المحطة الأخيرة ل "الحراڤة" المرحّلين
مطار الجزائر الدولي حسب ما وقفت عليه "الأمّة العربية" يستقبل في كل رحلة قادمة من روما أو دول أوروبا الأخرى في اليوم، ما بين 7 إلى 11 من "الحراڤة"، يعادون إلى الوطن بعد إلقاء القبض عليهم لتتسلّمهم شرطة المطار، ثم يرسلون إلى محكمة الحراش بالعاصمة، مثلهم مثل المجرمين، لينظر في مصيرهم قاضي التحقيق. وكان على "البرلمان الموقّر" حسب الكثير من المختصين بدل أن يجرم الشباب الجزائري بسبب هجرتهم غير الشرعية نحو المجهول،أن يسن أيضا قانونا لرعاية هؤلاء الشباب نفسيا قبل اتهامهم وتحويلهم إلى المحاكم للتحقيق.
الصدفة وحدها سمحت لنا بمقابلة "حراڤة" مرحّلين، والذين كانوا مرفوقين بأفراد من الشرطة. وللأمانة، لم تكن معاملة الشرطة فضة ولا قاسية، ولم توضع في أيديهم الأغلال. والأكثر من هذا، لم تكن تخلو كلمات الشرطة من الدعابات، ما أدخل الطمأنينة في نفوس الشباب، وأشاع بينهم جوا من الفرح الذي تخفيه بعض علامات الخوف البادية على وجوههم.
"الحراڤة" المرحّلون، كان اثنان منهم من سكيكدة وواحد من دواودة ببومرداس، وثلاثة من الرغاية، وآخر كان أكبرهم يبدو في عقده الثالث، لم يبال بنا أو يعطينا أي معلومات تخصّه، ولم يكن يبدو عليه الخوف أو القلق، فقط وحده الحزن كان جاثما على صدره، لدرجة أنه لم يعر أي اهتمام لما حوله.
حكاية هؤلاء ليست مغامرة موت فقط، بل حين سماعها تجعل الذي بقلبه مشاعر إنسانية يبكي بدل الدمع دما قانيا، على الشباب الجزائري الذين صار مجرد رقم سالب يستدعى في الانتخابات على طريقة "شاهد ماشفش حاجة"، في وطن يئن تحت وطأة الأنانية والعبث ومجرد سلعة تتاجر بها الأحزاب والتنظيمات، ليصل اليوم إلى حائط اليأس الذي تساوى فيه الموت والحياة عندهم، فما عاد الفرق يهم سوى في بعض التفاصيل.
* رحلة الموت تبدأ من هنا
حسب ما أطلعنا به شاب مرحّل من شرق العاصمة لم يشأ أن يذكر لنا اسمه لكنه أصر على سرد الحكاية من بدايتها إلى نهايتها، نيابة عن زملائه. وللتذكير، أغلب المرحّلين خلال هذا اليوم لم يسافروا إلى سردينيا في إيطاليا في يوم واحد، وإنما الحكاية هنا تخص شبابا من شرق العاصمة سافروا معا، لتنسج بينهم وبين زملائهم من مختلف الولايات صداقة وتواصل خلال وجودهم في مركز للاجئين بكالياري.
بدأت رحلتهم في 19 ماي من شاطئ سيدي سالم التابع لولاية عنابة، بعد منتصف الليل، حيث انطلقت ثمانية قوارب، على متن كل واحد منها ما يقارب الثلاثين شابا من مختلف مناطق الوطن. دامت الرحلة حسب محدثنا الذي تخطى بعض السنوات من عقده الثاني 24 ساعة، بمعنى أن وصولهم كان في اليوم التالي بعد منتصف الليل. لكن كيف كانت الرحلة في عرض البحر قبل الوصول؟ سؤالنا هذا جعل محدثنا يطرق صامتا وكأنه يسترجع شيئا ما، ثم واصل حديثه "كان من المفروض أن نصل في أقل من هذا الوقت.. ولأن القارب كان محمّلا بأكثر من طاقته، فقد كان الإبحار بطيئا، رغم قوة المحرك المستعمل من نوع "سوزوكي"، حتى وإن كانت الرحلة هادئة خلال هذا اليوم، إلا أن المياه كانت تدخل إلى القارب في كل مرة، خاصة حينما يتمايل يمينا وشمالا من ثقله، فالأمواج البسيطة كانت تؤثر على توازنه، وهذا ما جعل الماء يتسرب إلى الداخل، ليصل إلى منتصف سيقاننا. وبما أن أغلبنا لم يبحر من قبل، فقد انتابتنا حالة من الرعب، فصور وحكايات المفقودين تأتيك في هذه اللحظات لترسم لك نهايتك المرتقبة في أية لحظة، وفي كل مرة كان قائد القارب يحاول تهدئتنا ويطلب منا الثبات وعدم التحرك لحفظ توازن القارب لكي لا ينقلب، واضطررنا بعدها للتخلص من بعض الأشياء الثقيلة مثل الأطعمة وبعض الأشياء من أجل التخفيف من وزن القارب. ورغم ذلك، بقيت الأمور على حالها وبقينا نشق عباب البحر بنفس السرعة، إن لم تكن أقل. وبعدها، كان علينا أن ننظم أنفسنا ونقوم بتفريغ القارب من الماء بأيدينا، وكنا نفعل ذلك بهدوء حتى لا يتحرك القارب أو ينقلب بنا، وبقينا نفعل ذلك طيلة ما بقي لنا من الطريق".
ويحكي لنا الشاب أنه من شدة التعب، لم يعد يشعر بكتفيه، خاصة مع اشتداد موجة البرد التي قال لنا عنها إنها كادت تتسبب في وفاة طفل في الرابعة عشر من عمره، اختار "الحرڤة" نحو إيطاليا إلى أشقائه الثلاثة الموجودين هناك "حيث اضطررت يقول الشاب لأن أحمي يديه الصغيرتين بفركهما بيدي والنفخ فيهما باستمرار، فقد كان صغيرا جدا ويرتعش من البرد، ولم نسمح له بمساعدتنا في تفريغ القارب لصغر سنه، كل ما كنا نفعله أن ندفئه بالنفخ في يده كلما أراد أحدنا أن يرتاح من تفريغ الماء".
* الطريق نحو الفردوس.. ينتهي بكابوس
بعد رحلة دامت 24 ساعة يواصل محدثنا وصلنا إلى سردينيا ليلا واخترنا شاطئا صخريا لنرسو عليه، يقول الشاب عن نفسه، أنه لم يستطع السير حين نزوله من القارب لولا صديقه الذي اختار "الحرڤة" معه، الذي كان يسنده ولم يستطع الجميع الحراك، فأشعلوا نارا في الغابة وتحلقوا حوّلها وكان الكل مهتما بالصّبي، وهناك تناولوا ما بقي لهم من أكل ثم افترقوا كل إلى جهة مجهولة بعد نيل بعض الراحة. ليشق هو وصديقيه من العاصمة، وشاب آخر تعرفوا عليه خلال الرحلة، أخبرهم أنها ثالث مرة يقوم بها بهجرة سرية ولم ينجح، وأنه يعرف الطريق، فتبعوه يشقون الصخور والأشجار في ليل بهيم. وحين سألناه عن مصير الطفل، قال محدثنا إنه اتجه مع جماعة إلى وجهة غير وجهتهم. قبل بزوغ أول خيط للفجر، عثروا على بيت خشبي في الغابة، طرقوا الباب، فلم يجدوا به أحدا. دخلوه، ولما وجدوه شاغرا استلقوا نائمين من التعب والجوع، ومنهم من قام بنشر ملابسه على الأبواب بعدما ابتلت من مياه البحر.
وواصل "الحراڤ" قائلا: ولم نستيقظ سوى على دخول صاحب البيت، الذي اندهش لرؤيتنا، لكنه لم يرتبك ولم يحاول إيذاءنا، بل أشار إلينا بيده إلى أن نهدأ، ربما رق للحال الذي كنا عليه، فقد كنا ننام مثل القتلى، كل واحد في مكان، نتوسد بعضنا البعض، قدم لنا بعض الأكل وتكلم معنا بهدوء، لكننا لم نفهم منه شيئا، ولا هو فهم منا شيئا، بما أننا لا نتقن اللغة الإيطالية. وبعدما ارتحنا، قررنا مواصلة المسير نحو الميناء قصد السفر نحو العاصمة روما، على متن زوارق، خاصّة وأن سردينيا جزيرة والمسافة بينها وبين باقي أجزاء التراب الإيطالي بعيدة. وكان خوفنا أن يقبض علينا، خاصة وأن الإجراءات الأمنية في سردينيا مشددة جدا، بسبب الأمواج البشرية من المهاجرين التي تصلها يوميا. وحدث ما كنا نخشاه، حين اصطدمنا بدورية للدرك الإيطالي، في الغابة قبل حتى أن نخرج إلى أي قرية أو مدينة. كان باستطاعتي الفرار، لأني كنت بعيدا عن زملائي في الخلف من شدة التعب، ولكني لم أنتبه إلا حينما اقتربت، ولما هممت بالتراجع كان الوقت قد فات حين رآني أحدهم ونال مني التعب، فما عاد الهروب يجدي. لما أخذونا إلى مركزهم، أول ما لاحظته أمام المركز هو محركات القوارب المركونة جنب الحائط، حتى أني لم أستطع عدها لكثرتها، وعلمت حينها أنها محركات لقوارب تركت على الشاطئ. حاولنا إقناعهم بأننا مسالمون، ولكن لا هم فهموا منا شيئا ولا نحن فهمنا، لكن رأيت الزميل الذي معنا يبتسم حين رأى قائدهم يخرج من درجه بطاقات معينة، سألته عنها، فقال مثل هذه البطاقات تسلم لنا للانتقال بحرية لمدة 24 ساعة فقط، ويمكننا من خلالها الوصول بها إلى روما اليوم. شعرنا بسعادة غامرة، لولا أن أفواجا من المقبوض عليهم بدأت تصل المركز، فوضع الضابط يده على رأسه حيرة وأعاد البطاقات إلى درجه، فعلمنا أن الأمر كله انتهى، أو أن الأمل تضاءل في إطلاق سراحنا.
* "نحن فلسطينيون".. كلمة سر للمرور إلى مراكز اللاجئين
لتبدأ رحلة جديدة نحو مركز اللاجئين بكالياري، لأكتشف كما أضاف المتحدث ل "الأمّة العربية" وجوها كانت معي، وعلمت حينها أن الكثيرين تم إيقافهم. وسمعت إشاعات لم أتأكد منها لحد الآن، تفيد بأن ثلاثة قوارب وصلت من الثمانية التي انطلقت، وسمعت أن أربعة تم توقيفها ساعات بعد انطلاقها من طرف حراس السواحل في الجزائر، وقاربا واحدا اختفى في عرض البحر، ولكني لست متأكدا، ذلك ما سمعته من بين المقبوض عليهم.
أول شيء قاموا به معنا، هو إجراء كشف طبي كامل، وكذا قيام طبيب نفسي بالتحدث معنا برفقة مترجم باللغة الفرنسية. وعن شعورهم وهم في هذا المركز، أجاب أحدهم أنه لحد تلك اللحظات كان عندهم أمل بأن يخلى سبيلهم، خاصة بعدما أنكروا جنسيتهم وغيّروا أسماءهم وقالوا إنهم فلسطينيون.
وحسب هؤلاء "الحراڤة"، فإنهم تعرّفوا هناك على شباب من سطيف والبويرة والعاصمة، وبومرداس من عنابة، الطارف ووهران، ومناطق عديدة من الوطن، حتى من الجنوب، ونسجت بينهم علاقات صداقة. أما حكاياتهم، فكلها تتشابه، الظروف الاجتماعية، غياب الكرامة، الهروب إلى عالم آخر، بعيد عن واقع لا يتغيّر... واصل الشاب حديثه: وبعد خمسة أيام، نقلونا عبر الطائرة إلى مركز بروما، لم نلبث فيه سوى ثلاثة أيام، ليتم تحويلنا جوا إلى مدينة باري، لنوضع في أحد مراكزها المحاط بالأسلاك الشائكة والحراسة المشددة، وتمت معنا ممارسة نفس الإجراءات تقريبا، فحص طبي وتوزيع بعض الملابس وأدوات النظافة، مثل فرشات الأسنان والأغطية والغسول والصابون والعطور وأدوات الحلاقة، وأخذوا معلومات عنا من خلال أخذ بصماتنا وتصويرنا، وأخذوا أيضا أسماءنا، رغم علمهم أننا نكذب عليهم، فيما يخص جنسياتنا وأسماءنا، وكانت تلك الطريقة الوحيدة التي كنا نعتقد أنها ستخلصنا من الترحيل.
وعن حياتهم داخل الملجأ، فقال إنها كانت مقبولة لحد ما، فقد كنا نلعب كرة القدم في المساء ونمر على الطبيب باستمرار، لكن كانت هناك صرامة في الحراسة خشية أن نفر، فقد كان الصعود إلى سطح المبنى يعرض الشخص للضرب. ولم ينف محدثنا بعض المناوشات بين "الحراڤة" وحراس المركز، الذين كانت تبدو عليهم العنصرية، وكان بعضهم يشتمنا من خلال ما يترجمه لنا بعض "الحراڤة" الذين يعرفون اللغة الإيطالية، وكنا نرد عليهم بالمثل، بينما كان البعض الآخر من الجنود يعاملوننا بطريقة ودية، وبعضهم عقد معنا صداقة لا نعرف إن كان ذلك كسبا لودنا من أجل الكشف عن هويتنا، أو لفتة إنسانية منهم.. وفي كل يوم يرحّل خمسة أو عشرة جزائريين إلى الجزائر بعد التحقيق معهم، ليأتي عشرون آخرون جدد محلهم في دورة لا تنتهي. وقبل أن نعرض على القنصل، فقد عرضونا على قاضي التحقيق، الذي سألنا من خلال مترجم عن سر دخولنا الأراضي الإيطالية بطريقة غير شرعية، وأعلمونا من خلال مترجم دائما أنهم وكلوا لنا محاميا وكنت أعلم أن هذا المحامي لن يقوم بشيء. كانت محامية هي المكلفة بقضيتي وقضية بعض منا، حين قابلتني اصطدمت معها في الرأي، خاصة وأني اكتشفت من خلال المترجمة أن لا نية حقيقية لها في الدفاع عني، لأنها كانت تريد أن تتخلص من القضية بسرعة، فرفضت أن تدافع عني، وهكذا فعل أصدقائي، لكننا كنا نعلم أن الوضع لن يتغير. وبعد أيام، ولا نعرف كيف، علموا بأننا جزائريون، ربما هناك وشاة يعملون معهم ولا ندري. جاءنا القنصل وكلمنا واحدا تلوى الآخر. حين وصل دوري، طلبت منه أن لا أرجع إلى البلاد، وشرحت له حالتي والظروف التي أعيشها وأني لست صاحب مشاكل وسجل في أحد الأوراق بأني فلسطيني ورأيت ذلك بأم عيني، ولكن كنا نعرف أن القنصل رغم طمأنته لنا سيوافق على ترحيلنا، عكس المغاربة والتونسيين وباقي الجنسيات الأخرى، التي لا تتدخل سفارات بلدانهم في ترحيلهم، وهنا يحق لي أن أطرح سؤالا يقول محدثنا "إن كان المسؤولون في الجزائر لا يوفرون لنا لا منصب عمل، ولا حتى يحفظون لنا كرامة أو حتى يحاولون إيجاد حلول لنا، فلماذا يريدوننا أن نرجع إلى الوطن، ما الذي يريدونه منا بالضّبط؟".
كانت عبارته قاسية وهو يتساءل، ليرد زميله باكيا: "علاش ما يخلوناش نروحو، ياك حتى الطيور وترحل إن لم تجد القوت"، ولا أستطيع أن أصف المشهد هنا سوى بالحزين، هذا أقل وصف يمكن أن أقوله وأنا استمع لهذه العبارات، وأردت أن أكسر الروتين وهذا الجو الثقيل بالحزن، فقلت لهم هل سمعتم عن فوز الفريق الوطني على مصر؟
فابتسم جميعهم واختلطت الكلمات بينهم، حتى اخترت واحدا منهم ليواصل الحديث، قال لي: لقد ملأنا المركز بالرقص والتطبيل حين انتصرت الجزائر،جعلناه عرسا حقيقيا، هنا أدركت كم يتمسك الشباب "الحراڤة" بوطنهم رغم كل شيء.
* الضّرب لكل من يحاول الفرار
وسألتهم ماذا حدث بعد زيارة القنصل لكم، واصل أحدهم: علمنا أن النهاية قريبة وأن ترحيلنا مسألة وقت فقط. سألته: ألم تفكروا في الهرب؟ رد علي: طبعا فكرنا، لكن الأمر لم يكن بالأمر السهل، بل كان مستحيلا في ظل الحراسة الشديدة، وأود أن أشير إلى أن ثلاثة من الشباب لحد الآن لا أعرف جنسيتهم حاولوا الهرب، نالوا من الضرب ما لم يكن أحد يتصوره، لكمات على الوجه.. ركلات على البطن، وأحدهم كسرت ساقه ولم نعرف عنهم شيئا بعدها، ليرد عليه زميله "أخذوهم إلى المستشفى للعلاج".
ويواصل الأول حديثه: رغم أننا كنا كل يوم ننهض على رحيل جماعة من أصدقائنا، كان لنا أمل بأنهم سيطلقون سراحنا، فلم نقطع كل هذا البحر ونخاطر بحياتنا لنعاد إلى البلاد، ولكنه أمل ضعيف. كنا نتصل بأمهاتنا وآبائنا ليدعوا لنا. وعن استفساري في كيفية الاتصال بذويهم، أخبرني واحد من المرحّلين أنه كانت تقدم لهم بطاقات مجانية كل أسبوع للاتصال بذويهم. وأردف قائلا: بعد مرور 22 يوما من وصولي إلى إيطاليا، قمت فجرا لأصلي، فإذا بأحدهم يطلب مني أن أغسل وجهي وتحضير نفسي، ووجه الكلام نفسه للثلاثة الذين كانوا معي في الغرفة، حينها عرفت أننا سنرحل اليوم، ولك أن تتصور الخيبة التي منيت بها، ولم يبق سوى معجزة تمنعني من الرحيل، ولكن لم تحدث المعجزة وحملنا متاعنا وخرجنا من المركز مقيدي اليدين نحو مطار روما وانتظرنا ساعتين في إحدى الغرف بالمطار. وأثناء اقتيادنا نحو الطائرة، نظر إلينا أحد أفراد الشرطة ومن ملامح وجهه وكلماته، استنتجنا أنه يشتمنا، فلم أحتمل منه الإهانة وحدثت بيننا مناوشة ورفضت السير، وكذلك أصدقائي، إلى أن جاء أحد الضباط، وأعتقد أن واحدا من الشرطة شرح له ما حدث، فنزل بالصراخ على الشرطي وأمره بالابتعاد عنا فهمنا ذلك من خلال إشارة يده ثم توجه إلينا وبدأ يلاطفنا ويتودد إلينا، وكأنه يعتذر، حينها قررنا أن نمضي نحو الطائرة رفقة أربعة من أفراد الشرطة الإيطالية، وبينهم امرأة باللباس المدني، لم نتحدث إليهم ولا هم تحدثوا إلينا، إلى غاية وصولنا إلى مطار الجزائر الدولي، ابتسموا لنا وصافحونا وسلمونا للشرطة، كما ترى الآن.. لم أكن أفكر طوال الرحلة سوى في الطريقة التي سأمضي بها حياتي دون عمل أو أمل، وكيف أحصل على مال لأعيد الكرّة مرة أخرى. وحين لاحظ دهشتي، أكد لي أنه سيعيد الكرّة، والأمر كان نفسه بالنسبة لزملائه، لما قلت لهم "ليس في كل مرة تسلم الجرة"، هز أحدهم كتفيه كأنه لا يبالي.
* رغم أنهم فقدوا فيها كل شيء.. لازالت الجزائر في القلب
سألتهم: هل تكرهون بلدكم؟ صمتوا كلهم كأنهم لم ينتظروا مثل هذا السؤال، أو ربما لم يفكروا في مسألة حب الوطن، لأنه شيء ثابت، سرعان ما تحرر لسان أحدهم حين رد علي: لا أكذب عليك، لا أحبها ولا أكرهها، لست سوى لاجئ فيها، وهنا أوقفه زميل له وهو يضحك، ولكنك كدت تفقد صوابك من الفرح حين سجلت الجزائر الهدف الأول ضد مصر. أما زميل آخر، فكان أكثر وطنية حين قال لي إنها أرضي وإن حاولت الرحيل، فليس لأني أكرهها، بل لأن الكثير من يدّعون حب الوطن، كانوا سببا في بحثنا عن الرحيل. إنها الأرض التي سال فيها دم جدي الشهيد ولن أسمح فيها أبدا. وواصل كلامه في شكل عتاب موجه إلى شخصي: "أرجو أن يوجه هذا السؤال للذين سنوا قوانين تجرّمنا".
* استفسار.. أرجو أن يرد عليه كل مسؤول يتفرّج على المأساة
وقبل أن أختم لقائي هذا الذي صنعته صدفة انتظار صديق في مطار، فوجدتني في استقبال "حراڤة"، سألتهم: هل من كلمة توجهونها للمسؤولين؟
اختلفت إجاباتهم، لكن شدني جواب أصغرهم، لم يكن جوابا، بل سؤال حين قال: أنا شخصيا لا أنتظر منهم شيئا ولا أثق فيهم أبدا، لكن لي استفسارات أتمنى أن أجد لها يوما جوابا شافيا: "هل يبكي هؤلاء المسؤولون؟ هل لهم دموع في محاجر العيون؟ هل لهم قلوب تحس وتعقل؟ هل يحسون بنا حين يروا مأساتنا؟ وأخيرا، ماذا لو انقلبت الدنيا وعاد نواب البرلمان إلى أصولهم وصار لهم بيوت من صفيح وأصبح أولادهم "حراڤة"؟ هل سيوافقون على سجنهم؟
وقبل أن يغادروا، غمزني أحدهم قائلا: انقل الأسئلة إلى النواب ولا يهم إن كانت شفوية أو كتابية، وانفجر الجميع ضاحكين.. كانت ضحكة ألم أكثر منها ضحكة عبث، في انتظار عرضهم على قاضي التحقيق لمحكمة الحراش بالعاصمة ليبتّ في مصيرهم بعد مبيتهم ليلة أو ليلتين في "السيلون" مع اللصوص والقتلة. وبدوري، أتمنى أن أرى الأجوبة قريبا.. قريبا جدا.
وفي الأخير، اكتشفت شيئا مهما في هؤلاء الشباب، هو حكمتهم البالغة وطريقة كلامهم، وفهمهم للأمور كيف تجري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.