تطرق المفكر مالك بن نبي من خلال دراسته للحضارة إلى إشكالية أو بالأحرى مشكلة المجتمع الجزائري حيث قدم لنا فكرة عن العمل المتظافر والجماعي الذي كان يتميز به الشعب الجزائري قبل الإستقلال أي أثناء الثورة. وتلك الروح والنزعة والرغبة لبلوغ الهدف المنشود آنذاك ألا وهو الإستقلال. وبالفعل بفضل ذلك العمل الجماعي والمتظافر استطاع الشعب الجزائري تحقيق هدفه. لكن ما إن فتئت فرحة الإستقلال تنقضي حتى تغيرت طبيعة هذا المجتمع وانتقل من العمل الجماعي إلى الفردي. تلك الروح والنزعة والرغبة التي كان يتميز بها اندثرت بل انعكست وانقلبت رأسا على عقب مما أدى إلى ظهور ايديولوجيات سلبية خاطئة بل أكثر من ذلك فاسدة تغمرها الأنانية واللامسؤولية مما أدى بدوره إلى بروز معالم التدهور المعيشي والانحطاط الأخلاقي. هي فكرة لكن للأسف أصبحت واقعا نعيشه ونحاول الخروج منه لكن ما العمل؟ ما هي الطريقة؟ كيف؟ ربما الجواب والحل يكمن في الرجوع إلى التاريخ والأخذ بأفكاره وتطويرها. وهنا طبعا نحن نتحدث عن العمل الجماعي. لا يمكن ومهما كانت الظروف ان ينجح شعب أو دولة في التطور والازدهار والرقي إلا بالعمل الجماعي المتظافر. هذا الموضوع أو بالاحرى هذه الفكرة تدفعنا للحديث عن المرحلة الحالية والوضعية الحساسة التي يمر بها العالم كله والتي استطاع من خلاله فيروس ان يغير نظرة بعض البلدان بالرغم من قوتها وان يثبت ضعفها وعجزها. في المقابل استطاع أيضا أن يحرك في شعوب أخرى تلك الروح والنزعة المتمثلة في العمل الجماعي والتعاون. ففي الجزائر بالرغم من هشاشة النظام الصحي ونقص الإمكانيات إلا أن روح المبادرة والتعاون لم تغيب بل أثبتت تواجدها وبقوة. وذلك من خلال مختلف فئات وشرائح المجتمع بينما نرى الأطباء والممرضون يقاومون ويحاربون الوباء بكل عزيمة وإصرار نجد السلطة السياسية تعمل هي الأخرى لإيجاد الحلول وإصدار القرارات الصعبة والعقلانية بل أكثر من ذلك رأينا وتفاجئنا بتبرعات بالراتب ابتداء برئيس الجمهورية مرورا بالوزراء ومختلف القطاعات من جيش وشرطة وحماية مدنية وقطاعات أخرى. ومن جهة أخرى نرى شباب متطوع يعمل على صناعة الحاجيات الضرورية للوقاية من كمامات ومواد التعقيم...الخ. و شباب يبتكر ويبدع فيصنع ممرات للتعقيم وضعت في مداخل بعض المستشفيات. وآخرون يفكرون ويبدعون فيصنعون حمالات خاصة لنقل الأشخاص المصابين بالوباء قدمت لأعوان الحماية المدنية. هي أمثلة وأخرى عبر كل الولايات وفي ربوع الوطن تعكس إصرار وعزيمة الشعب على العمل الجماعي والتعاون لبلوغ الهدف والقضاء على هذا الوباء. فمهما كانت الظروف بالرغم من صعوبتها وقسوتها وبالرغم من نقص الإمكانيات تبقى العزيمة والإرادة والعمل الجماعي هو الفيصل والحل الوحيد لكل المشاكل. لقد أثبت المجتمع الجزائري من خلال هذه المرحلة التي يمر بها البلد على أنه قادر على العمل وإعطاء إضافة إيجابية من أجل التطور والرقي. سوف يسجل التاريخ هذه المرحلة وما فعله كورونا بأقوى الدول كما سيجل ما فعله الشعب الجزائري لمواجهته ومحاربته. ربما ستكون هذه فرصة لتغيير النظرة السياسية وإعطاء الأولوية الفكر والإبداع الوطني كما سيغير ذهنية وفكر الشعب اتجاه العمل الجماعي والتخلص من الأنانية والأيديولوجية الفاسدة وكل رموز الانحطاط والتدهور.