● النقاش حول التغيرات العميقة التي أجراها رئيس الجمهورية على حكومة عبد الملك سلال شكلت مادة دسمة لنقاش تواصل بحدة خلال الأسبوع المنصرم، وتراوح بين المساندين للتعديلات وبين المعارضين والمنتقدين لها سواء من قبل السياسيين وقيادات أحزاب بعض التشكيلات السياسية المعارضة أو من قبل العديد من المراقبين الذين قرؤوا بشكل سلبي التشكيلة الجديدة للحكومة وأدرجوا التعديلات ضمن مسارات سياسية وانتخابية لها علاقة بالاستحقاق الرئاسي المرتقب في أفريل .2014 ويبدو أن جل المشاركين في هذا الجدل يعانون من مرض الشك المزمن من كل ما يرد من أعلى هرم السلطة، فهل يعقل أن تنتقد حكومة سلال منذ أشهر طويلة، وتوصف الكثير من القطاعات الوزارية بالفشل وتتعالى الأصوات المطالبة بالتغيير خصوصا للوزراء الذين عمروا طويلا في مناصبهم ولم تطلهم التعديلات الحكومية التي حصلت في السابق، وكانوا يعودون مع كل حكومة جديدة، وما أن يلبي رئيس الجمهورية لهذا الطلب ويجري تعديل حكومي جذري حتى تتعالى الأصوات المشككة. وإذا كان من حق المعارضة وكل المهتمين بالفعل السياسي في البلاد أن يربطوا بين التعديل الحكومي »الثوري« كما يصفه البعض، والاستحقاق الرئاسي المقرر السنة المقبلة، أو حتى الربط بين هذا التعديل وما يسمى بالصراع بين الزمر داخل السلطة، أو بين الرئيس وخصومه المفترضين، فهذا لا يلغي أبدا الحديث عن وجود إرادة حقيقية لتحسين الأداء الحكومي، فرئيس الجمهورية راهن كثيرا على حكومة عبد الملك سلال لتنفيذ برنامجه الحكومي واستكمال عملية تجسيد الكثير من المشاريع الطموحة خصوصا في مجال السكن وفك العزلة وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين ومعالجة حالات الاحتقان الحاصلة في العديد من القطاعات على غرار الصحة والتعليم، ورغم النجاح الذي حققته حكومة عبد الملك سلال يبقى الكثير مما يتوجب تداركه والمطلوب حسب الكثير من المراقين مضاعفة الجهد من أجل تحقيق الأهداف المسطرة ومعالجة الإشكالات الأكثر خطوة والتي يتوقف عليها السلم الاجتماع الهش الذي يبقى مهددا بين الفينة والأخرى بفعل عوامل داخلية وخارجية لا تخفى على أحد. وبالعودة إلى الحكومة في تركيبتها السابقة وإلى الزيارات الميدانية التي قام بها عبد الملك سلال خلال الفترة التي كان فيها رئيس الجمهورية في رحلة العلاج بالعاصمة الفرنسية باريس، يمكن أن نلمس الكثير من الجوانب الايجابية في العمل الحكومي فضلا عن نقاط سلبية ربما كانت خفية عن الجهاز التنفيذي، ولقد برزت بشكل لافت معاناة الجزائريين مع مشاكل السكن والشغل والتهميش فضلا عن المستوى المعيشي الذي ظل متدنيا بفعل سياسة تبدو غير حكيمة اعتمدت على مخادعة المواطنين في مسألة الرفع من الأجور بالتوازي مع ارتفاع جنوني في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وما من شك أن زيارات سلال التي استغلها للإنصات إلى المواطنين وخفض التوترات وإزالة حالات الاحتقان الخطيرة خصوصا في ولايات أقصى الجنوب، ساهمت من جهة في تشريح الواقع والوقوف على المشاكل الحقيقية للمواطنين، ومن جهة أخرى في معالجة المشاكل الأكثر إلحاحا وتجنيب البلد الانفجار الذي كان يتهددها في كل لحظة، وقد ظهر جليا ضرورة إجراء عملية جراحية تجميلية على الحكومة لتحسين أداء عدد من الوزارة وهو ما يفسر ربما جلب ولاة عرفوا بتفانيهم في خدمة الولايات التي كانوا على رأسها على غرار والي وهران إلى القطاعات التي تعاني المشاكل على غرار قطاع الصحة. ويبدو أن القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية لإعادة تنظيم مديرية الاستعلامات والأمن من خلال إلحاق مصالح الإعلام والأمن والشرطة القضائية التي كانت تابعة لهذا الجهاز المعروف اختصارا باسم »الدي أر أس« مباشرة بهيأة أركان الجيش الوطني الشعبي كانت أكثر إثارة للنقاش وسط المهتمين، وتراوحت المواقف بين الذين رؤوا في القرارات محاولة من رئيس الجمهورية قص أجنحة مديرية الاستعلامات بما يسمح له ببسط سلطاته على جميع المؤسسات ومن ثمة تمهيد الطريق أمام خيارات معينة في الرئاسيات المقبلة، وبين من يرى بأن الجدل الحاصل بالغ في الاستناد على أطروحات المؤامرة والصراع، وبرأي أصحاب هذا الطرح الأخير فإن إلحاق المصالح المذكورة بهيأة أركان الجيش يندرج ضمن تحسين أداء مختلف أجهزة الدولة والسماح لمديرة الاستعلامات والأمن للتفرغ لمهامها الأساسية في الاستعلامات والجوسسة المضادة، وضمن هذا الإطار تراوحت القراءات لهذه القرارات وهناك رأي سائد يقول بان قرارات بوتفليقة قد تكون لها علاقة مباشرة بالاعتداء الإرهابي على المنشاة الغازية بتيقنتورين بعين أميناس والذي يصفه البعض بأنه 11 سبتمبر بالنسبة للجزائر، وجب معها مراجعة بعض المسائل على خلفية التحقيق الذي طلبه رئيس الجمهورية من أجل الإجابة عن أسئلة محددة متعلقة بالأسباب التي جعلت الإرهابيين يقطعون مئات الأميال ويستولون على محطة حيوية واحتجاز رهائن جزائريين وأجانب، وما إذا كان لهذا الخلل الأمني علاقة بنقص الفعالية في بعض الأجهزة الأمنية. واللافت أن هذا الجدل يتزامن مع تسلم رئيس الجمهورية مسودة مشروع تعديل الدستور حسب ما كشف عنه رئيس الحكومة عبد الملك سلال، وكل الأنظار تتجه نحو هذا المشروع الذي بدأت التكهنات بخصوص مضمونه منذ الآن، فهل سيكرس هذا التعديل الأطروحات التي حصلت في مرحلة التشاور مع الطبقة السياسية بخصوص الإصلاح السياسي والدستوري أم سيعكس فقط إرادة الرئيس بوتفليقة والتي يريد الكثير من المحللين ربطها مع ما يسمونه بالرغبة في تمديد عهدته الرئاسية الحالية إلى سنة 2016 وجعل العهدة الرئاسية واحدة ولسبع سنوات كما هو الحال في الدستور الفرنسي. وبالتوازي مع الجدل السياسي المتواصل تتحرك الساحة السياسية وبشكل غير مسبوق نحو إعادة ترتيب التحالفات التي ستكون لها حتما دورا أساسيا وفاعلا في الرئاسيات المقبلة، وما من شك أن اللقاء الذي جمع مؤخرا لامين عام الأفلان عمار سعداني ورئيس حزب تجمع أمل الجزائر »تاج« عمار غول والذي انتهى بتفاهمات، يوحي بميلاد تحالف سياسي جديد، يرتقب أن يكرس ذلك عبر الإعلان عن تحالف رئاسي رباعي يضم أيضا كل من التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية الجزائرية بقيادة الوزير عمارة بن يونس، ويأتي ذلك في وقت تظل فيه المعارضة مشتتة ومتناقضة حتى وسط العائلات السياسية الواحدة على غرار الإسلاميين المختلفين حول صيغة الدخول في الرئاسيات المقبلة هل بتقديم مرشح واحد الإسلاميين أو التوافق على مرشح مع باقي تشكيلات المعارضة الأخرى. وعلى الجبهة الأمنية لا تزال الجزائر تتصدر أولويات الإرهاب العالمي، ففي بيان أصدره على الانترنيت تحت عنوان »توجيهات عامة للعمل الجهادي« دعا زعيم تنظيم »القاعدة« أيمن الظواهري إلى إضعاف الجزائري وقال في كلمته » وفي الجزائر حيث الوجود الأمريكي قليل وغير ملحوظ، فالصراع مع النظام بغرض إضعافه، ونشر النفوذ الجهادي للمغرب الإسلامي وبلاد الساحل الإفريقي الغربي وبلاد جنوب الصحراء وقد بدأت في تلك المناطق بوادر الصدام مع الأمريكان وحلفائهم..«، ويعكس ذلك شيئين أساسيين فمن جهة بدا وضاحا بأن السياسة الأمنية التي انتهجتها الجزائر قد أتت أكلها في كسر شوكة المجموعات الإرهابية المحلية، ويبين ذلك من جهة أخرى بان الجزائر لا تزال ضمن أجندة التنظيمات الإرهابية التي تستهدفها خلافا للكثير من الدول العربية الأخرى التي تحرص التنظيمات الإرهابية على تجنيبها المواجهة لأسباب تبقى مجهولة.