الروائي الإذاعي صاحب أول رواية بلغة الضاد الأديب عبد الحميد بن هدوقة الذي يعتبر من أهم وأبرز القامات الأدبية في الجزائر وفي الوطن العربي نسترجع أهم المحطات في مساره .. نضاله الثوري في الحركة الوطنية ، كفاحه بالكلمة عبر الإذاعة التونسية إبان الثورة والعديد من الجوانب التي لا يعرفها القارئ من خلال هذا الحوار مع نجله الإعلامي أنيس بن هدوقة. البداية تكون من الجديد ومن مبادرتكم في إطلاق موقع الكتروني حول حياة الأديب عبد الحميد بن هدوقة حدثنا عن هذه المبادرة وفي رأيكم ماذا تضيف للأدب وللباحثين الأكاديميين؟ كما تعلمين قمت بإطلاق موقع على شبكة الانترنت حول شخصية والدي رحمه الله، عبد الحميد بن هدوقة، في 21 أكتوبر الماضي. هذا التاريخ الذي يخلد الذكرى السابعة عشرة لوفاته. في الواقع الفكرة راودتني منذ ثلاث سنوات تقريبا، لكن لم يسعني تحقيقها إلاّ الآن، إذ كان عليّا التعلم كيفية تصميم المواقع الإلكترونية، و هذا ما اجتهدت لفعله طوال ثلاث سنوات الماضية كان عليا التعلم كثير من الأمور التقنية والتي ليست لها أيه علاقة بعملي الصحفي. و في الأخير تمكنت من هذه التكنولوجية تقنيا، بالقدر الذي يمكنني من صنع موقع إلكتروني لا بأس به يمكن أن يفي بأهداف التي سطرتها للموقع الخاص بالوالد. أما الأمر الثاني الذي حثني أن أطلق الموقع، و وفق لتجربتي التي تستمر منذ 2008 في عالم الصحافة الإلكترونية و تعاملي اليومي مع الانترنيت و المنتديات الاجتماعية و محركات البحث و غيرها، جعلتني أكتشف أن هناك حضورا محتشما للثقافة الجزائرية، خصوصا بالعربية على الشبكة العنكبوتية مقارنة بالثقافات الخاصة ببلدان أخرى، فأردت أن أشارك بهذا الموقع حتى يزيد من الحضور الثقافي الجزائري على شبكة العنكبوتية. و أمر آخر مهم بالنسبة لي و يتعلق بالشخصيات الجزائرية سواء المثقفة على غرار والدي أو أدباء و كذلك شخصيات جزائرية أخرى اشتغلت في ميادين أخرى، و التي فارقتنا منذ 15 أو 20 سنة فأكثر، لاحظت غياب الصور الفوتغرافية الخاصة بها و غياب الفيديوهات على الشبكة العنكبوتية، فمثلا فيما يتعلق والدي توجد إلا صورا قليلة جدا على الانترنت أما الفيديوهات سواء تعلق الأمر بحصص ثقافية شارك فيها أو محاضرات مصورة ألقاها، فهي منعدمة تماما. لذلك سارعت بإطلاق الموقع حتى أوفر الصور الفوتغرافية و الفيديوهات حول شخصية عبد الحميد بن هدوقة من جهة، و حتى أصنع من الموقع قبلة للباحثين و الطلبة و كل من يريد التعرف على أدب و فكر الوالد بحيث بدلا من أن تكون الدراسات مبعثرة بين مختلف المواقع، فستكون جميع الدراسات التي أتوفر عليها و التي ستصلني في المستقبل، على موقع عبد الحميد بن هدوقة و هنا أغتنم الفرصة لأذكر بالرابط و هو www.benhedouga.com محطات عديدة طبعت مسار الأديب ما هي في رأيك أهمها ؟ ¯ من البداية أعتقد أن طفولته و بعده عن أمه بسبب الدراسة من صغره أثر في شخصيته، فأنا على يقين بأنه يكن لوالدته حبا غير عادي حب الشوق و الافتراق، لأنه في السن السادسة يلتحق بالمدرسة الفرنسية بالمنصورة التي تبعد عن مسقط رأسه بحوالي 15 كلم. كان يدرس عند والده أيضا، إذ تخيلي أن والدي و في صغره درس ألفية ابن مالك و حفظ القرآن الكريم، حفظ قصص بني هلال و قصص ألف ليلة و ليلة و تعلم أصول الفقه و اللغة، كل هذا كان في صغره و من عند والده، أي من عند جدي. و بالمناسبة والذي نشأ في أسرة متعلمة أب عن جد. ثم أعتقد أن هجرته الأولى إلى فرنسا و احتكاكه هناك بالمهاجرين الجزائريين زرع فيه الوعي و النضال السياسي و هذا ما يتجلى في قصصه الواردة في كتابه » الكاتب و قصص أخرى«. في 1950 يلتحق بجامعة الزيتونة، و انتخب رئيسا للجمعية الطلبة الجزائريين. حيث كان هناك تنافس حاد بين الطلبة المنتمين إلى جمعية العلماء المسلمين، و كانوا الأغلبية و الطلبة المنتمين إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية على غرار الوالد. و الرئيس الراحل، علي كافي يذكر في مذكراته، تفاصيل كيف تمكن هو و والدي ، عبد الحميد، الفوز برئاسة جمعية الطلبة الجزائريين بالزيتون التجربة الإذاعية لبن هدوقة تتميز بإبداع من نوع آخر .. هل ترون أنها أثرت مساره الأدبي أم أن تجربته الأدبية هي التي أثرت مساره الإذاعي ؟ في سنة 1955 طاردته الشرطة الاستعمارية فاضطر للهروب إلى فرنسا، و هناك ما بين 1955 و ,1958 اشتغل في الحقل الإذاعي إذ ألف عديد التمثيليات الإذاعية ل بي بي سي و الإذاعة الفرنسية ORTF . بعد ذلك قامت جبهة التحرير الوطني بتهريبه إلى ألمانيا و من ثم إلى تونس، و هناك كتب مقالات لمجلة » الشباب الجزائر« و هي تابعة لجبهة التحرير الوطني و كذلك» للمجاهد«. كما ساهم في إخراج صوت الجزائر و كان يشتغل أيضا في إذاعة تونس. و في سنة 1959 كتب أول مؤلفه »الجزائر بين اليوم و الأمس« الذي صدر باسم الحكومة المؤقتة. إذن للإجابة على سؤالك فالتجربة الإذاعية اختلطت بالتجربة الأدبية من خلال التمثيليات المسرحية و من خلال نشاطه الإعلامي. و أنت كما تعلمين بعد الاستقلال اشتغل بالإذاعة و التلفزيون حتى تقاعده في سنة .1987 الرصيد المخطوط الذي تركه صاحب أول رواية باللغة العربية في الجزائر حول ماذا يتمحور ؟ وهل هناك مجهودات لإخراجه للقاريء والمتلقي في الجزائر وفي الوطن العربي ؟ ¯ شكرا جزيلا زهرة على هذا السؤوال، بداية اسمحي لي أن أؤكد و أصر و أشدد أن كتب والدي، عبد الحميد بن هدوقة تطبع باستمرار، و لنا عقود مع دور النشر آخرها كان مع دار النشر »القصبة « التي نشرت جميع رواياته. و رواية »ريح الجنوب «نشرت مؤخرا أي منذ أسابيع فقط بالبراي للمكفوفين باللغة العربية و اللغة الفرنسية و ترجمة إلى اللغة الأمازيغية أيضا، و كان ذلك من قبل دار النشر »لالامولاتي«. أنا أرى أنّ والدي محظوظ جدا مقارنة مع الأدباء الجزائريين الآخرين، فيما يخص النشر و فيما يخص الاهتمام، إذ هناك ملتقى دولي ينظم تقريبا كل سنة و وصل إلى الطبعة ال14 بالرغم من التذبذب الذي يشهده في بعض الأحيان. إذن من حيث الاهتمام، والدي حظي بالاهتمام مقارنة بالأدباء الجزائريين. لكن إن تمت مقارنة ما هو معمول به في الجزائر و ما هو معمول به في البلدان المتقدمة و الاهتمام الكبير التي توليه دولهم لأدبائهم كلاسيكيين مثل فكتور هيغو أو نجيب محفوظ أو طه حسين و غيرهم فإن الدولة هي التي يجب أن تحمل على عاتقها مسؤولية التعريف بأدبائها. و هنا أريد أن أركز أن الأدباء الجزائريين و الشخصيات الثقافية يشكلون جزءا من الذاكرة الوطنية، لذلك يجب الحفاظ على هذه الذاكرة، و الدولة، بمختلف مؤسساتها و هيئاتها، هي الوحيدة القادرة على ذلك و ليس الأفراد لأن هؤولاء ليس في مقدورهم و وسعهم القيام بذلك. و أرى أن البداية تكون من المدرسة من خلال تدريس نصوص الأدباء الجزائريين و منحهم الاهتمام اللازم. لأن أرى أن المثقفين الجزائريين يشكلون »المركزية الثقافية المغاربية« إن لم نقل العربية، بمعنى أن الثقافة الجزائرية تشكل مركز ثقل الثقافة المغاربية. وفي رصيده المخطوط في المسرح آو القصة ما هي أهم القضايا التي تطرق إليها ؟ نعم، له أكثر من 200 مسرحية إذاعية، أحتفظ بها في 8 مجلدات مخطوطة، و لم يسعني الحظ طبعها. و أرى أن طبعها سيثري المكتبة الوطنية، التاريخية و الثقافية. ما عدا هذا كل قصصه و رواياته طبعت خلال حياته ما عدا بضعة أشعار و قصص أخيرة التي طبعت ضمن كتاب » ذكريات و جراح« سنة واحدة بعد وفاته. أنت كمطلع على كتابات الوالد هل ترى أن وجهات نظره .. أو قناعاته أو إهتماماته في الكتابة تغيرت بوجود متغيرات أخرى سياسية واجتماعية وثقافية. لست ناقدا أو متخصصا، لكن أكيد أنه حدثت تطورات سواء في الأسلوب الأدبي أو في المواضيع المختارة في كتابات الوالد. و لقد كان يتفاعل مع محيطه و هذا ما يتجلى بكل وضوح في روايته» بان الصبح« مثلا من خلال معالجة الميثاق الوطني لسنة 1976 و في روايته » غدا يوم جديد« من خلال تفاعله مع أحداث 5 أكتوبر 1988 و التعددية الحزبية و بروز التطرف الديني و الإرهاب. بن هدوقة الأب ماذا تحمل منه ؟ ما هي أجمل الذكريات التي تحضرك معه ما هي الكلمات التي كان يقولها ولازلت تذكرها أو تعمل بها ؟ توفي والدي و كان عمري 20 سنة لذلك أحتفظ بذكرايات الطفولة فقط. فوالدي كان أبا و ليس الكاتب. و ككل أب كان يسهر على تربية أبنائه تربية صالحة. و كان همه الأول الدراسة. كانت و مازالت مكتبة ضخمة تضم حوالي 3000 عنوان. كان أبي دائما يتذكر و يتأسف لحرق مكتبة والده من قبل الاستعمار الفرنسي و التي كانت تضم مخطوطات أمراء الأندلس، لذلك كان حبه للكتاب غير عادي بل تقديسا. سألته ذات مرة إن كنت قرأت كل هذه الكتب فكان ردّه » لا بل كنت ألعب« أي بمعنى أنه قرأ كل ذلك الكم الهائل من الكتب. أنا على يقين أنني لا أستطيع قراءتها، و أعتقد أنه قرأ أمهات الكتب في شبابه و في صغره، و كان له الحظ أن يجد من يشرحها له آنذاك، فكما قلت كان والده عالما. و أخيرا أكن لكم كل الشكر و الامتنان على الاهتمام الذين تولينه بالوالد رحمه الله الذي أنا على يقين أحبه كل الجزائريين.