بينهم وبين الآخرين تحفظ كبير، قد لا تنجح أكبر النظريات الاجتماعية في ردم هوته، وبينهم وبين الواقع كفر لا تسعه شرائع الأرض ولا السماء، مبكرا تخلّوا عن طفولتهم أوبالأحرى أُجبروا على التخلي عنها ولو إلى حين، وهم يلبسون وجوها جادة عندما تنتصب براءتهم على الطاولات المنصوبة على أرصفة الطرقات صباحا وهم ينادون على سلعهم بصوت غادره خجل الأطفال منذ أمد ومرنته النكسات اليومية والحرمان. أطفال أجبرتهم الحياة على التخلي عن طفولتهم مبكرا ليصبحوا رجالا و نساء يحترفون البيع والشراء على قارعة الطريق من أجل بضع دريهمات لليوم تسد الرمق.. أليس من مضحكات بلد العزة والكرامة أن يبيع الطفل الخبز من أجل الخبز؟ جمع الخبز اليابس.. أطفال يبحثون عن طفولة حتى قبل أن يغادر الأطفال فراشهم استعدادا للذهاب إلى المدارس، يكون صوت رشيد و زملائه قد بدأ يشق هدوء حي 950 مسكن ببودواو، ذلك الصوت الذي يحفظه جيدا سكان هذا الحي، حيث تصير نبراته دالة على الموعد الذي يبدأ فيه السكان بقذف أكياس الخبز من الشرفات ونوافذ العمارات، وبعضها يجدها رشيد موضوعة عند عتبات العمارات. بمرور الوقت صارت وجوه هؤلاء الأطفال مألوفة، بعضهم ربط ما يشبه الصداقات مع أطفال الحي، وقد يقتطعون بعضا من الدقائق لتقاذف الكرة في لحظات مسروقة للعب للحظات.. قبل أن يتوقفوا وكأنهم يتذكرون أن اللعب لأمثالهم ترف لا طائل منه، فيمتطون دوابهم مغادرين الحي وهم يكررون نداءهم بأصواتهم التي أكسبتها التجربة رنة خاصة “اليابس اليابس”.. لازمة تتكرر كل صباح في وقت محدد حتى صارت أشبه بمنبه يحيلنا على توقيت محدد و مضبوط. ببعض الابتسامات والكثير من الحذر يمكنك أن تلج عالم رشيد و زملائه، مجبرا أن تسير على حذر بمحاذاة طفولتهم حتى لا تجرحها، ربما سترضي أخيرا رشيد ذي الثماني سنوات ليخربك بقصته ومعاناته التي أجبرته أن يكون في هذا السن جامعا للخبز اليابس بين البيوت و الحارات. يقطن حي “دالاس” الفقير حي بيوت الصفيح على الطريق الرابط بين بودواو والرغاية، هناك يعيش رشيد في بيت بسيط وفقير رفقة إخوته وأبيه البطال، يوميات الأسرة الكادحة أقنعته أن الدراسة لأمثاله ترف وحلم بعيد المنال لذا كان لا بد أن يجد عملا لمساعدة أسرته. رشيد مبكرا يركب “بغلته” رفقة العديد من أقرانه بعضهم يقطن الأحياء المجاورة لاحواش بودواو والرغاية. مهما اختلفت تفاصيل قصصهم لكن النتيجة واحدة البحث عن بعض الدراهم سواء لمساعدة الأسرة أو لحل أزمة. يقوم الأطفال بجمع الخبز اليابس من سكان الأحياء والمدن المجاورة ويبيعونه بمبلغ 20 دج للكيس البلاستيكي لأصحاب الأغنام والأبقار الذين يستعملونه في تغذية مواشيهم، أو قد يشتريه أحدهم بالجملة ليعيد بيعه لأصحاب الإسطبلات الكبيرة. لا يعبئ رشيد كثيرا لهندامه وتفاصيل هيئته فقد ماتت طفولته منذ أن قرر أن يتحمل مسؤولية عائلة. ما يجنيه رشيد من عمله لا يتعدى بضع دريهمات لكنه أفضل من التسول، يتلفظ الكلمة بمرارة وخجل الأطفال كأنه يدرك بحدس الطفولة أن العمل الذي يمارسه لا يختلف كثيرا عن التسول، وهو يركب دابته حافي القدمين إلا من حذاء بلاستيكي مهترء وثياب رثة أنستها الأوساخ المتراكمة لونها الحقيقي، وهو يتجول كل صباح عبر الأحياء بحثا عن أكياس الخبز اليابس، في الوقت الذي يكون رفاقه يحملون حقائبهم متوجهين إلى المدارس. “المطلوع” و”خبز الدار”.. بيع الخبز لأكل الخبز على الطريق الساحلي للعاصمة، من بوهارون إلى تيبازة إلى القليعة، نفس الواقع ونفس الوجوه.. أطفال في عمر الزهور يبيعون المطلوع وبعض أنواع العجائن التقليدية على الطريق السريع وهم عرضة لكل أنواع المخاطر، بداية من حوادث المرور نهاية بالعنف والاعتداءات التي قد تواجههم من قبل الطائشين وقطاع الطرق. لا تختلف قصة كريم وحمزة وفاطمة ومليكة إلا في بعض التفاصيل، كلهم أطفال وحدت بينهم قسوة الظروف وغدر الزمن الذي حولهم في رمشة عين من أطفال إلى رجال و نساء ، على طول الرصيف تصطف سلال الخبز والأطفال ينادون على سلعتهم بحناجر ندية أنهكتها تكرار نفس اللازمة “مطلوع سخون مطلوع سخون”، وقد يستعيضون عن النداء عندما يتعبون بالتلويح بأقراص الخبز التي تباع مقابل 25 أو 30 دج للخبزة الواحدة. تقف مليكة رفقة أخيها الذي يكبرها بسنتين على جانب الطريق السريع، على طريق بوسماعيل، وهم يعرضون سلعتهم. تقول مليكة إن مدخول اليوم قد يرتفع في أيام العطل والراحة خاصة في موسم الاصطياف، حيث تصبح الشواطئ المجاورة سوقا مربحة وتلقى سلعتهم الرواج والقبول من قبل المصطافين. سألنا مليكة إذا كان خوفا ما ينتابها خاصة في المناطق القريبة من الشواطئ حيث ينتشر الشباب المتهور، مليكة التي بدت واثقة من نفسها وقد تخلت عن خجل الأطفال أخبرتنا أن جماعة كبيرة من الأطفال مثلها يشكلون شلة أو حلقة للدفاع عن بعضهم البعض، وهناك من يقوم بدوريات يتفقد زملائه وأصدقائه لأنهم أبناء نفس الحي ويقومون بحماية بعضهم البعض.. فقد وحدّتهم المعاناة والمكابدة اليومية من أجل الحصول على 300 دج في أحسن الأحوال نظير بيع 10 أقراص من الخبز من التاسعة صباحا إلى الرابعة مساء، وقد يتأخر الوقت إلى حدود الساعة السادسة في أيام الصيف والعطل وإلى وقت الأذان في رمضان. ليس الخبز وحده السلعة الرائجة هناك، وإنما حتى أكواز الذرة المشوية التي تباع مقابل 15 دج للكوز، والتي تجلب من المزارع المجاورة لبوسماعيل، سلعة مغرية لعابري السبيل والمصطافين وتوفر مدخولا إضافيا لمليكة وإخوتها. نسيت مليكة منذ متى لم تعد طفلة، فقد حولتها قسوة زوجة الأب وانشغال الوالد بمتاعب الحياة إلى مجرد رقم في طابور الأطفال الباحثين عن الرزق هناك. ربما كانت قصة حمزة أقل مأساوية من قصة مليكة وأخيها، فحمزة يعيش في كنف عائلته الحقيقية المتكونة من الأب والأم وخمسة إخوة، لكنه مضطر لبيع الخبز حتى يساعد الأسرة في توفير المصروف اليومي، خاصة أن مصاريف الدراسة ولوازم الحياة لخمسة أطفال ليست سهلة، لذا يتناوب هو وإخوته على بيع الخبز في الأوقات التي لا يدرسون فيها أوتكون أوقات التحاقهم بمدارسهم متفاوتة ومختلفة حسب نظام الدوام المتبع، ويحصل حمزة على المصروف اليومي من أمه مقابل بيع أقراص الخبز والمحاجب وبعض العجائن التقليدية الأخرى، لكن إن اختلفت تفاصيل قصته عن قصة مليكة لكن تبقى الأخطار المحدقة بهم واحدة. خطر المركبات التي تعبر الطريق السريع وقد تأخذ أرواحهم في لحظة طيش وهم يغامرون بعرض سلعتهم على طول الطرقات. بيع النحاس وتجارة الخردة.. عندما تقتات البراءة من النفايات بحي الصفيح الواقع بمحاذاة واد الحراش بالعاصمة، حي علي الرملي، تتشابه سحنة الأطفال ويومياتهم أيضا في هذا الحي تنتشر كل أنواع الجرائم والآفات، من بيع المخدرات إلى الدعارة والتسول. يقوم الأطفال ببيع الخردة من البلاستيك إلى النحاس الذي تحول إلى تجارة مربحة لها بارونات و زعماء تدر عليهم أرباحا، يقومون بتشغيل الأطفال في فرق وعصابات صغيرة. كانت قطعة المائة دينار كافية لتجعل أحمد، الطفل ذا العشر سنوات، يفتح معنا حديثا عن بيع الخردة التي يزاولها مثل عشرات أطفال من هذا الحي، أخبرنا أنه يشتغل في بيع الخردة من أسلاك النحاس التي تباع بسعر 300 دج للكيلوغرام والبلاستيك بسعر 50 دج للكيلوغرام، بينما الحديد الذي يصل سعره إلى 500 دج غير متوفر في السوق، لذا فهو عملة نادرة جدا. ونحن نترك الأطفال ونتوغل داخل الحي، كنا نصادف أفواج الشبان والمراهقين وهي تذرع الطرقات الملتوية، حاملة أكوام النحاس والبلاستيك، كانوا يتفحصون الطريق بعيون النسور عساهم يعثرون على شيء ما يصلح للبيع. البضاعة التي جمعها هؤلاء الذين يقضون نهارهم متجولين بين الأسواق المجاورة ومحاشر السيارات يجمعون أكوام الخردة في آخر النهار على أسطح البيوت أوفي أماكن خاصة أمام الأبواب وفي الأزقة الخلفية. “كل السكان حولوا بيوتهم إلى مخازن للخردة”، التي تعد مصدرا رئيسيا لمدخول العائلات التي تقتات في أغلبها من بيع الخردة والتجارة الموازية يقوم الأطفال الذين صادفناهم عند مدخل الحي يجرون أواني من البلاستيك المستعمل الذي يباع لإعادة استرجاعه بجلبه من محاشر السيارات والمزابل العمومية، كما قد يشنون غارات ليلية على الأعمدة وأسلاك الكهرباء في الأحياء المجاورة للحراش، خاصة تلك التي لا تخضع لرقابة أمنية مشددة. أطفال هذا الحي، يقول أحمد، أغلبهم لا يذهبون إلى المدارس بل فيهم من لم يسجل في الحالة المدنية أغلبهم يعيشون ظروف متشابهة في الفقر والحرمان.. عمالة الأطفال في الجزائر ظاهرة لا تقولها الأرقام سجلت الجزائر تراجعا في نسبة عمالة الأطفال من 56 في المائة سنة 2003 إلى 3 في المائة سنة 2011، حسب أرقام وزارة العمل والضمان الاجتماعي، حيث تبقى الجزائر بعيدة عن المستوى العالمي لظاهرة تشغيل الأطفال التي حددت المنظمات الدولية سنة 2016 للقضاء عليها نهائيا، حيث أفادت تحقيقات مفتشية العمل بوزارة العمل والضمان الاجتماعي أنه لا يوجد في الجزائر أكثر من 95 طفلا يعملون بالمؤسسات، أي بنسبة 0.56 % من مجموع 16895 عامل تابع ل 5847 مؤسسة بالقطاع العام، وهو رقم بعيد عن النسب العالمية للظاهرة.. فمن بين 13999 محضر مخالفة سجل على مستوى المؤسسات، تم تحرير خمسة محاضر مخالفة فقط تتعلق بعمالة الأطفال. غير أن هذا لا يعني أن الجزائر صارت بعيدة عن الظاهرة التي تنتشر خاصة بشكل سري في القطاعات غير الرسمية والخاصة، حيث تزدهر الأعمال الموسمية في المناطق الريفية والفقيرة والمدن المغلقة مثل الأحياء القصديرية، حيث كشفت دراسة أنجزتها الهيئة الجزائرية لتطوير الصحة وترقية البحث “فورام”، عن وجود مليون طفل عامل في الجزائر، ويرتفع هذا العدد ب 300 ألف طفل أيام العطل والمناسبات مثل رمضان وموسم الاصطياف. كما كشف أحدث تقرير لمنظمة العمل الدولية عن 13 مليون طفل عامل في الدول العربية، احتلت فيها منطقة المغرب العربي الصدارة ب 6.2 مليون طفل كانت الجزائر في مقدمة دول المنطقة ب 1.8مليون طفل ، بينهم 1.3 مليون طفل تراوح أعمارهم بين 6 و 13 سنة منهم 56٪ من الفتيات.. و28 ٪ لا يتجاوز أعمارهم ال15 سنة، و 4.15٪ مهم أيتام فقدوا احد الوالدين. فيما يعيش 1، 52 ٪ منهم في المناطق المحرومة. كما احتلت الجزائر مراتب متقدمة في ظاهرة عمالة الأطفال استنادا إلى تقارير عربية وضعت الجزائر إلى جانب الصومال، جيبوتي، العراق، السودان، فلسطين. وحسب منظمة اليونسكو فإن هناك 8 ملايين طفل في سن الالتحاق بالمدارس محرومون من التعليم كان نصيب الجزائر من هذا الرقم 700 ألف طفل.