أراد منظمو المهرجان أن تكون أمسية السبت 25 جانفي 2014 بنكهة شمال إفريقيا خالصة وذلك بعرض مجموعة من الأفلام القصيرة في افتتاح الأمسية السينمائية الأوريبية لكل من البلدان التالية: الجزائر، تونس، المغرب، ومصر. لتنافس بدورها الأفلام الأوروبية من حيث المضمون أو حتى جودة العرض والتمثيل الذي يضاهي السينما العالمية مع تباين في العروض المقدمة ومواضيعها حسب ما سيتبين ذلك، مما يعني تطورا في العمل السينمائي سيما وأن المخرجين شباب يعدون بالكثير في المجال السينمائي وفي طرحهم لمواضيع تخاطب واقع الشباب العربي وآفاقه العالمية وهواجسه وآماله. فيلم ليل الجزيرة أو L'ile Al Djazira للمخرج الجزائري الشاب ".. أمين سيدي بومدين"تشظي الهوية بين ضفتين ورحلة البحث عنها في الجزيرة الأم: افتك فيلم "ليل الجزيرة" وهو فيلم قصير من 32 دقيقة بجدارة فضية الأفلام القصيرة للدورة السابعة للمهرجان الدولي للفيلم الشرقي بجنيف في ماي 2012، ويروي الفيلم قصة الجزيرة المعزولة والرجل بمزيج غريب من الألبسة والمستفزة للذهن في زمن كل دلالاته مفارقة يمشي في طريق ظاهريا هو مألوف غير أن جوهره غير مألوف، فهو غير محدد بظروف زمانية، يمشي في مسافة يرى بأنها تفصل بينه وبين حرية يتوق إليها، إلى أن يضعنا البطل في العاصمة الجزائرية سنة 2012، لم يفرق بينه وبينها أي شيء ولم يتغير لونها بشيء ولا نكهتها ولا رائحتها المنتشرة رغم أنه تركها منذ زمن ليس بقريب..، وجدها بالصورة نفسها أو أسوأ بكثير بكل ما تحمله من فوضى ومظاهر فقر ونازحين أفارقة من الجنوب وشباب يحلم بالهجرة إلى الشمال، مظاهر الحزن والضياع المترامية الأطراف في كل الأرجاء، كلها مشاهد ترجمها لنا المخرج "أمين" بسوداوية غير خافية غير أنها لا تنفي الاحترافية في العرض والتحكم في تقنيات سنيمائية عالية الجودة وبمستوى عالمي، إشكالية الهوية والغوص في أغوار النفس الإنسانية ومحاولة الكشف عن معاناة اللاجئين وهواجسهم، حيث كان الصمت في كثير من المشاهد خير لغة للتعبير عن تلك الهواجس التي يلفها الغموض والإثارة، استعماله للغة الإنجليزية كمطلب يراه المخرج منطقيا لاعتبارات عالمية لتدويل القضية عالميا ومخاطبة الضمير الإنساني ولفت انتباهه لهذه الفئة المهمشة والهشة، تصوير الجزائر كأرض للهجرة في مفارقة لم يسبق لها مثيل يلخص رؤية عميقة واعترافا بهجرة معمرة فينا مهما رحلنا عن أوطاننا فإننا نحملها معنا، ولعبة الأسود والأبيض التي طغت على الفيلم والتي تحيلنا أحيانا وقصدا على حقبة ماضية هي الحقبة الاستعمارية وكل الخراب الذي تبعها..، كلها رموز وإشارات حاول المخرج أن يعبر بها في فيلمه على أن الغربة الحقيقية ليست غربة الإنسان عن وطنه بل هي غربته عن ذاته وضياع هويته وتشظيها واضطرابها داخل وطنه وهي أشد أنواع الغربة فتكا وتعقيدا. الكلب "بوبي BOBY" يخاطب الضمير الإنساني: كما حضرت السينيما التونسية بتميز بفيلم قصير للمخرج "مهدي برساوي" بعنوان "بوبي" والذي حاول مخاطبة ضمائرنا وعودة مراجعة علاقة الإنسان بالمخلوقات من خلال قصة الطفل فارس التلميذ في المدرسة والذي يلتقي بالكلب الضائع "بوبي" لتتكون بينها علاقة ارتباط قوية بعدما يعتني الطفل بالكلب ويتقاسم معه أكله، غير أن العقدة تحدث عندما يرغب في إحضاره إلى منزله، حيث يتصارع مع رفض الوالد القاطع لوجود الكلب في البيت، ورغم أن الأب كان متدينا من خلال مشاهد الصلاة والتزامه بتأدية صلاة الفجر في وقتها غير أن المخرج حاول أن يضع إسقاطا وامتحانا لمدى تدين الإنسان وانسجام ذلك مع إنسانيته وأخلاقه، فبينما يؤدي الأب صلاته في جوف الليل يخرج الابن "فارس" وهو يحمل وجبة الطعام لكلب ينبح طويلا من شدة الجوع ..، ورغم ما في تصرف الطفل من خطر وتهديد من والده غير أن طرفا كان يساعده ويدا أمينة كانت تحرسه، هي أمه التي كانت لا ترفض أن يحضر طفلها الكلب للبيت بعد انصراف والده، هذا الأخير الذي ضجر من نباح الكلب ليلا، فيقرر إبعاده إلى مكان معزول وهو يردد "لا حول ولا قوة إلا بالله" في تعظيم وتهويل موقف هذا الإنسان أمام ضعف كائن صغير لا يطلب إلا القليل من العناية التي يوصي بها دينه وأخلاقه وإنسانيته التي لم تتحرك بعد، غير أن الكلب يعود رغم بعد المسافة ويمسح الطفل دموعه وحزنه بعد سماع نباح كلبه عند نافذته لكن والده يسبقه ويسرق فرحته القصيرة بإطلاق النار من باروده على الكلب الصغير وهو يرتدي طربوشه الأبيض الذي يرتديه أثناء تأدية صلاته، هذا الحضور وهذا الجمع بين مشاهد التدين ومشاهد القسوة من طرف الأب لم يكن عفويا من المخرج، إذ حاول أن يعالج فئة من الناس تتناقض أقوالها مع أفعالها ودينها مع ضميرها وإنسانيتها وأخلاقها رغم أن هذه الأمور مكملات لبعضها البعض وتحصيل حاصل يكمل الإنسان، وإلا سيكون الشخص متناقضا ومزدوجا، غير أن المخرج يعدل كل ذلك الاعوجاج والثغرة الحاصلة في موقف الأب بلقطة الفيلم الأخيرة أين كان الأب يصلي لينظر لابنه الذي كان يعتني بكلبه وهو مصاب تحت رعاية الأب وإشرافه وموافقته أخيرا، لتنتصر الإنسانية أخيرا وتكتمل صورة التدين التي ستكون مشوهة دون أخلقة الإنسان ورحمته مع غيره من الكائنات وحتى الحيوانات التي توصي بها جميع الأديان والضمائر الإنسانية الحية. فيلم "الليلة الأخيرة" للمخرجة المغربية مريم التوزاني: كيف نقضي آخر ليلة مع من نحب قبل الرحيل الأبدي؟ فيلم الليلة الأخيرة الحاصل على الجائزة الأولى في ختام الدورة السادسة لمهرجان سبو للفيلم القصير بالقنيطرة ، طرح فكرة أخرى وبعدا جديدا رغم أننا جميعا عشنا تجربته أو سنعيشها يوما لامحالة ، فقدان الجد الحنون في ليلة واحدة وبشكل فجائي، بعدما كانت كل العائلة المتكونة من ابنته وأبنائها الثلاثة تعيش في كنفه وتحت رعايته، والذي لم يلحق حتى أن يشتري لحفيدته " سارة " "السوريز" كما وعدها، إذ في مساء ذلك اليوم الذي كانت تنتظر هديتها، جاء للبيت رجلان وأبلغا والدتها "أمينة" أن والدها قد توفي وأن الله أخذ أمانته لتقع تحت تأثيرالصدمة ودهشة "سارة " التي لم تستوعب بعد معنى ما يحصل، لتبدأ الطقوس الجنائزية في البيت وأمام مرأى "سارة" وجميع الأسرة التي تتعرف لأول مرة على هذه المشاهد التي يقوم بها الكبار، ويبدأ مع كل ذلك صراع الإنسان والقيود الاجتماعية بتنبيه أخويها من البكاء بحجة أنهما رجال وهما لم يبلغا سن الرشد بعد ومنع أمها من الدخول إلى غرفة والدها وهي تريد أن تقضي آخر ليلة بجانبه لتخبره بكل الأشياء التي لم تبح له بها بعد ..، لكن الأمور تتواجه مع موانع المرأة التي تقول لها : " هذا الشيء حرام يا بنتي، حرام ..راكي حابة الملايكة يروحو من عندو خليهم يحاسبوه في خاطرو !!"، ولا تجد الأم المسكينة إلا الرضوخ أمام هذه القيود والذهاب للنوم، غير أن الفتاة الصغيرة لم يغمض لها جفن لتستيقظ وترى أخويها وهما يحاولان أن يأخذا جدها للمطبخ ليتمكنا من لعب " البلاي ستايشن" في غرفة الضيوف والتي يرقد فيها جدهما والذي حال دون لعبهما في مشهد درامي وكوميدي في آن يلخص براءة وعفوية الطفولة أمام أقدار وأحكام هي أكبر من أن يستوعبوها أو يحاسبون عليها ، و يؤخذ الجد للمطبخ بعد جره، وكل هذا تحت مرأى سارة المتخفية، لتستغل الفرصة وتذهب لجدها وتكشف عن وجهه وتقبل رأسه وتشعر ببرودته وتحضر له " طربوشه ووسادته وغطاءه ، وتنام بجانبه وهي تحكي له حكاياتها الأخيرة في ليلته الأخيرة ، وتنام الطفلة، وفي الصباح تدخل الأم المطبخ وتجد ابنتها نائمة إلى جانب جدها فترتسم على شفتيها ابتسامة رغم كل الألم والدهشة، لقد استطاعت ابنتها أن تفعل ما لم تقدر هي على فعله، لقد تمكنت "سارة" باختصار وبقوة وبكل براءة أن تتحدى الكبار وكل الطقوس والقوانين لتقضي مع جدها آخر ليلة كما تريد هي، لأنها تعرف جيدا أن فرصة كهذه لن تتاح لها مرة أخرى ..