- ضرورة تحديث القوانين للعبور إلى الجزائر الجديدة شدد خبراء ومختصون على ضرورة إصدار قوانين تهيكل وتنظم الجمعيات الدينية وتحدد دورها وأهدافها خارج المساجد، بما يوحد الجهود والبرامج مع توسيع الدائرة التنظيمية لها بعيدا عن التحزب السياسي والمذهبي، وألحوا على رقمنة النشاط الديني التوعوي بهدف التأسيس لمرجعيات دينية تكون مرجعا دقيقا وحقيقيا. واقترحوا في سياق متصل، التركيز على العمل الخيري في إطار وجود الإستراتجية الخاصة، ووضع المعايير الخاصة لقياس أداء الجمعيات وتقييمه على أرض الواقع. نظم المعهد الوطني للدراسات الإستراتجية الشاملة وبإشراف عيسى بن لخضر، مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالجمعيات الدينية، ملتقى حول الجمعيات الدينية في الجزائر «الوظائف الاجتماعية ومستقبلها في ظل المؤسسات الجديدة». بن لخضر: مسار البناء يستكمل عقب الاستفتاء أكد مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالجمعيات الدينية والزوايا عيسى بن لخضر، أن مسار البناء يستكمل عقب الاستفتاء على الدستور، بما في ذلك تنظيم الجمعيات للمضي قدما في بناء الجزائر الجديدة كما أرادها الشهداء وعلى ضوء عمق تاريخها ومواقفها الصلبة، مشيرا إلى ضرورة السير نحو تحقيق حلم الحراك وضرورة إسهام العلماء بعطائهم دون مجاملة. وأشار بن لخضر، أن رئيس الجمهورية يراهن على حيوية المجتمع الذي أبرز ما فيه المجتمع المدني. وذكر بن لخضر أن ثلثي المجتمع الجزائري يكاد ينخرط في هذه الحركية، لذا نحن في أمسّ الحاجة لمرحلة المبادرات، وبعد الحراك المبارك، قال: «إنه لا يمكن أن نجبر الجزائريين على مؤسسة واحدة، في ظل وجود ضعف على مستوى العائلات السياسية ومن غير المعقول أن نترك المجتمع يستمع لتوجيهات مواقع التواصل الاجتماعي». وبلغة تفاؤلية أكد المتحدث، أن المجتمع المدني بمختلف تنوعاتها يشهد حركية جديدة وهذا ما يمنح، بعد المصادقة على الدستور، رؤية دقيقة حول القوانين العضوية التي يجب أن يفصل فيها ويمنح للمجتمع المدني الفرصة كي تكون له رؤية واضحة ونماذج فعلية، وفوق ذلك يسهر على تأطيره من خلال جمعيات ذات النفع العام وجمعيات وطنية ومحلية وجمعيات ذات بعد خاص، إن هذا رهان رئيس الجمهورية الذي يبدأ من تشخيص للواقع. وفي مفارقة لافتة أوضح بن لخضر، أن بروز المجتمع المدني كثيرا وقابله ضعف المؤسسات الحزبية، عكس حقيقة أن الانطلاقة الطبيعية والتنمية السياسية تبدأ بمشتلة المجتمع المدني الذي يعبر عن رؤاه بحرية وتنوع ومن طرف شرائح مختلفة للمجتمع. ولأن هذا من شأنه أن يسفر عن إفراز طبيعي في المستقبل من مؤسسات سياسية حزبية لها رؤية واضحة، حيث لا تنتظر الفرص العابرة لانتهازها، بل يكون لها مشاريع حقيقية. ويبقى المجتمع المدني أو القطاع الثالث، كما وصفه بن لخضر، من يحوز على مساحة واسعة من الرأي العام ويحتاج إلى تأطير وتحديث القوانين. وتوقع بعد الفاتح نوفمبر فتح ورشات متتالية ومشاريع القوانين في حركية كبيرة للتكيف مع المستجدات. وخلص بن لخضر إلى القول: «إن الجمعيات الدينية ليست في حيز ضيق، لأنها في الحقيقة قطاع واسع من المجتمع المدني، وفي هذا الملتقى تدرس عدة تجارب من بينها تجربة «تاجمعت» وتجربة «بني ميزاب» وتجربة «العزابة» وتجربة أمين العقال والزوايا والجمعيات الدينية الولائية والوطنية، في ظل تشبيك للمجتمع الذي يعبر عن حيوية المجتمع». شيخي: ضرورة إعادة النظر في مناهج البحث دعا عبد المجيد شيخي، المدير العام لمؤسسة الأرشيف الوطني والمستشار لدى رئيس الجمهورية المكلف بالأرشيف الوطني وملف الذاكرة، علماء الاجتماع والمؤرخين، إلى ضرورة إعادة النظر في مناهج البحث، لأن الجزائر بحاجة اليوم إلى منهجية خاصة، للوصول إلى دراسة دينامكية جديدة وفعالة للمجتمع، يتسنى على ضوئها الاستشراف للمستقبل وتوقع كيف سيتغير المجتمع خلال 50 عاما المقبلة؟. وضرب شيخي مثالا على ذلك بالمدارس الفرنسية التي نشطت بالجزائر، ودرست المنظومة الاجتماعية وعلى ضوء ذلك مارست الطمس والتفرقة لتسود خلال حقبة الاستعمار. وقال «إن مسألة الكتابة العلمية التي تتناول المجتمع تكتسي أهمية كبيرة. وتعجّب من تجاهل الجانب الديني في مسارات كتابة التاريخ الجزائري، في وقت تطال الإسلام هجمة شرسة في كل مكان، خاصة في الضفة الشمالية. وفي الوقت الراهن تقبل الجزائر على عهد جديد، لذا علماء الاجتماع وعلماء النفس مطالبون بمراجعة مناهج بحثهم والتركيز على التربية الصحيحة وفتح دائرة النقاش وتوسيع ذلك مع إرساء عمل جاد وقوي، لأن الجزائر بلد وسطي ومعرض للعواصف. لزهاري: بيان نوفمبر هو المؤسس لمنظومة حقوق الإنسان قال بوزيد لزهاري رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إن الجمعيات الدينية بالجزائر لعبت عبر التاريخ دورا كبيرا في التعليم والرعاية الصحية والدفاع عن حقوق الإنسان. ولدى الحديث عن دور الجمعيات الدينية وحقوق الإنسان، أكد أنه ينبغي في البداية أن نقف على ظاهرة التنظيمات الإيمانية خارج الإسلام والتي تتحدث وتدافع عن حقوق الإنسان، مثل الحق في الحياة والزواج والإجهاض والإعدام وحرية التعبير وما إلى غير ذلك. وبالعودة إلى مشروع الدستور ذكر لزهاري، أنه تضمن أسلحة ردع، لأن بيان أول نوفمبر يعد مؤسسا للنظام السياسي والدستوري ومنظومة حقوق الإنسان، والديباجة تشكل جزءا ملزما للدستور ويتعلق الأمر بحقوق الإنسان، أي ينص على الدولة الديمقراطية، وبيان أول نوفمبر يتطرق إلى المساواة وعدم التمييز. ويعتقد لزهاري أن بيان نوفمبر مصدر قوي في يد الجمعيات خاصة الدينية، وعلى خلفية أن الجمعيات تنذر مبكرا بتجاوزات حقوق الإنسان. طارق كور: مشروع الدستور وضع يده على الخلل ويعول طارق كور رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، على الجمعيات في القيام بدور ريادي في نشر ثقافة مكافحة الفساد في المجتمع. ويرى أن الجمعيات الدينية لها دور أساسي لاسترجاع الثقة من خلال الوازع الديني، مؤكدا في سياق متصل أن مشروع الدستور الجزائري وضع يده على الخلل وحاول تنظيم المجتمع المدني من خلال الاتصال بين المجتمع المدني والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. واستدل رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالمادة 205 من مشروع الدستور: «تعمل السلطة العليا للوقاية من الفساد على دعم قدرات المجتمع المدني على الوقاية من مكافحة الفساد»، وينتظر أن تساهم الجمعيات في الوقاية ونشر ثقافة نبذ الفساد، وعلى إثر ذلك جاءت المبادرة لإنشاء الشبكة الوطنية للنزاهة. ولم يخف طارق كور أن للجمعيات الدينية سلطة معنوية للمساهمة مع مؤسسات الدولة في القضاء على الفساد عبر نشر نبذ ثقافة الفساد. إحداث التغيير وقدم الدكتور جيلالي المستاري، مدير مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، عرضا مستفيضا حول محور «هل تمثل الجمعية الدينية استثناء في الممارسة الجمعوية بالجزائر». واعترف أن بعضها شهد تحولات عميقة وجوهرية في الاحترافية والتكوين والتأطير، خاصة الجمعيات المرتبطة بالزوايا. من جهته تناول الدكتور بودربالة مسعود من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، «الجمعيات الدينية ودورها في التنمية المستدامة وخدمة المجتمع المدني». واعترف أن دور الجمعيات الدينية تم تغييبه، على خلفية أنه كان من المفترض أن تساهم في إحداث التغيير والقيام بالوظيفة الاجتماعية المتمثلة في الإصلاح. وحول هيكلة الجمعيات، شدد الدكتور على ضرورة التركيز على العمل الخيري في إطار وجود الإستراتجية الخاصة ووضع المعايير لقياس الأداء وتقييمه على أرض الواقع. واقترح إصدار قوانين تنظم هذه الجمعيات وتحدد دورها وأهدافها خارج المساجد، إلى جانب هيكلتها بما يوحد الجهود والبرامج، مع توسيع الدائرة التنظيمية بعيدا عن التحزب السياسي والمذهبي ورقمنة النشاط الديني التوعوي والتأسيس لمرجعيات دينية تكون مرجعا دقيقا وحقيقيا.