تعمل الجزائر على ترقية اقتصادها بمنطق جديد، مبني على القضاء على فوضى الاستيراد والفساد الذي صاحبه، وهو ما اقتضى عددا من الإجراءات ل «عقلنة» عمليات الاستيراد، وتوفير حاجة المواطن في الوقت نفسه؛ ولهذا توجّه رئيس الجمهورية إلى ضرورة مراعاة حاجات المواطن الأساسية، مؤكدا أنّ السلطات العليا تريد الشفافية والقضاء على ممارسات الفساد وتنظيم التجارة الخارجية، وليس خنق المواطن في الحصول على ما يحتاج من غذاء ودواء، ومستلزمات ضرورية.. يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة تبسة، الدكتور عثمان عثمانية، إنّه خلال العقدين الماضيين، خاصة بين سنتي 2001 و2014، عرفت فاتورة الواردات في الجزائر نموّا غير مسبوق، وتضاعفت عدة مرّات بسبب اللجوء المكثّف إلى الواردات على حساب الإنتاج المحلي، ما خلق بيئة مناسبة لممارسة نشاط الاستيراد بشكل مكثّف، ونتج عنه ظهور آلاف المستوردين الذين لا يستوفون شروط القيام بهذا النشاط، وأيضا جعل منه مصدرا للرفاه السهل والسريع، وبالتالي، أصبح مجالا لعدة أشكال من الفساد: الرشوة، تضخيم الفواتير وتهريب العملة الصعبة للخارج. وهو ما فرض الانصراف عن ذلك الشكل الهجين من الاستيراد، فإذا تحدّثنا عن الحد من الواردات - يقول عثمانية - فإنّنا نقصد في الغالب إلى تخفيض قيمة الفاتورة المُقوّمة بالعملة الصعبة، وهنا يتضح أن الأمر يمكن تقسيمه إلى قسمين. الأول يرتبط بالفساد المرتبط بعمليات الاستيراد، من تضخيم للفواتير وتهريب للعملة. والثاني بالتشكيلة الواسعة من المنتجات والخدمات المستوردة من الخارج بالعملة الصعبة. وعند التفكير في إحلال الواردات بالمنتجات الوطنية، فسنصطدم بضعف الجهاز الإنتاجي أولا، وعدم مرونته ثانيا، فالجهاز الإنتاجي الوطني يبذل جهدا في توفير المنتجات التي يبحث عنها الجزائريّون من ناحية الكم والكيف، ويمكن أنّه لا يفي بجميع المتطلّبات، وعلى هذا، يُعد اللجوء إلى الاستيراد أمرا طبيعيا حتى بالنسبة للمنتجات الموجودة محليا، ذلك أنّها غير كافية لمقابلة الطلب عليها. وأضاف عثمانية أنّ الحلول تنقسم - وفق وجهة نظره - إلى قسمين. فللقضاء على تضخيم الفواتير وتهريب العملة، لا بد من سياسة رقابة صارمة على الصرف، القضاء على السوق الموازية للصرف والتي تتغذّى في الغالب بأموال المستوردين، وهذا غير ممكن إلا في حالة فتح مكاتب صرف مُرخّصة، ثم إقامة أنظمة معلومات فعالة قادرة على تقديم القيم الحقيقية للمنتجات المستوردة، مع رقابة قبلية وبعدية من الأجهزة المختصة. وهنا يكون الدور الذي تؤديه وزارة المالية وبنك الجزائر هاما.ومن أجل تقليص الواردات من المنتجات المختلفة، أضاف المتحدّث، سنجد أنفسنا أمام عدة أصناف: منتجات عالية التقنية يصعب إحلالها، منتجات أرخص بكثير من أن يتم إنتاجها محليا، منتجات يكثر الطلب عليها، ويتطلب إنتاجها انتشارا واسعا على المستوى المحلي. بالنسبة للصنف الأول، عملية الإحلال يستحيل أن تكون كُلية، ولكن يمكن أن يتم اللجوء إلى عقد شراكات مع أطراف خارجية، وفي الغالب تكون البداية بنقل أنشطة التركيب إلى الداخل، ومن ثمة العمل على رفع معدلات الإدماج تدريجيا حتى تصل إلى مستويات مقبولة. هنا يجب مراعاة أنّ المسألة برمتها ترتبط بمناخ الأعمال السائد، والقدرة على جذب المستثمرين الأجانب. وبالنسبة للمنتجات التي يكثر الطلب عليها، فلا بد من تكثيف النسيج الصناعي، خاصة في الصناعات التي لا تتطلب شركات كبيرة، مثل الصناعات النسيجية وصناعة الأغذية، وهنا لا بد من سد الفجوة بين العرض والطلب بتشجيع الاستثمار في القطاعين الصناعي والفلاحي، والعمل على تطوير آليات لمرافقة جدية وفعالة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تنشط القطاع، مع الاستفادة من تجاربنا السابقة مع وكالات الدعم «أونساج» و»أونجام» وغيرها. وبالنسبة للمنتجات التي لا يمكن إحلالها محليا بسبب انخفاض تكلفة استيرادها عن تكلفة إنتاجها محليا، فهنا لا بد من سياسة دعم ذكية، موجّهة ومرحلية، حتى يصل منحنى الخبرة إلى مستوى تخفيض التكاليف، وأيضا من خلال سياسات الحماية التجارية المعروفة، مثل حصص الاستيراد والرّسوم.