يُخطئ من يعتقد أن النخبة المُعوّل عليها في عملية صناعة التغيير الحضاري للأمة الجزائرية التائهة أنها تلك الشخصيات أو الزمر أو الجماعات المركونة في زوايا الجامعة الجزائرية الهزيلة علميا ومعرفيا ومنهجيا وأخلاقيا، والتي تُسمى –تواضعا- بالنخبة الجامعية المثقفة، لأن حقائق التاريخ أثبتت أن أجبن وأضعف حلقة في عمليات التغيير الحضاري هي النخبة الجامعية، التي لم تتمكن –لاعتبارات كثيرة جدا ليس مقام عرضها الآن- في أي حقبة من الحقب الزمنية صناعة خطاب تغييري أصيل وعميق وصحيح، يشق سيره بثقة ومتانة ووضوح وواقعية ضمن خطوط التغيير المزيفة والفاسدة التي تنتجها أيدي وأدوات ووسائل وخطابات الأنظمة الحاكمة وأزلامها المأجورين، فأغلب الفلاسفة والمنظرين والباحثين الحقيقيين خرجوا من صفوف ورفوف وخطابات أخرى غير تلك التي فرَّختْ الزمر الجامعية التقليدية المتآكلة من مختلف المشارب المعرفية: العلمانية العقلانية، الرأسمالية الليبيرالية، الاشتراكية الشيوعية، الحتمية التاريخية، القومية، الحداثية وما بعدها، والإسلامية الحركية والتجديدية والتقليدية أيضا. كما يُخطئ أيضا من يعتقد أن عملية التغيير السياسي العميقة والصحيحة والمنتظرة حضاريا، قد تحدث من خلال مشاهد وبهلوانيات النشاط السياسي والحزبي الباهت، التي يُحرك خيوطها خطابٌ أجوف وضعيف ومفكك وغير مؤسس علميا ومعرفيا ومنهجيا وواقعيا، ممن يديره رؤساء وزعماء الجمعيات والأحزاب والنظام السياسي منذ الاستقلال إلى اليوم، لأن المدقق في صفحات التاريخ بعمق سيكتشف أن الفاعلين الحقيقيين الذين غيروا ووجهوا خط سير الأمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وروحيا لم يكونوا أولئك الأشخاص الكارزميين المولعين بالخطب والمهرجانات وشهوة كثرة الكلام وحب الظهور، والتهاوي أمام تصفيقات الجمهور المخدر والمثمول بنشوة الوعود والأكاذيب والآمال الضائعة. ويُخطئ أيضا من يعتقد أن سائر عمليات التغيير الحضاري الحقيقية والعميقة قد يقودها الهُمَّل علميا ومعرفيا وواقعيا ومنهجيا وروحيا ووطنيا ووجدانيا ممن شغلهم الشاغل حظوظ النفس الدنيَّة وحطام الدنيا الزائل، ممن يتصدرون ويهيمنون على مختلف المنابر الصانعة للخطاب السياسي والاجتماعي والإعلامي والثقافي والأدبي.. والمتحكمة في توجيه البنية الفوقية والشكلية لمختلف ميادين ومسارات الحياة في المجتمع المهيمن عليه بقوة الزمر والعُصبات والمصالح والزبونية والتآمر والكيد.. اللاواعي والأرعن. وقد يتساءل متسائل عن هذا الموقف السلبي والصارم تجاه هذه النخبة الجامعية التي صنعتها حقبة الفساد 1999-2019م السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي والمعرفي والأدبي والثقافي… والتي تغطي وتسيِّر معظم نشاطات وهياكل هذا الفضاء المهم والحساس من الأمة الجزائرية. وحتى نبدد مثل هذه الظنون ننطلق في عرض المشهد الجامعي لهذه النخبة التي لا يمكِّنها البتة من أن تكون جزءًا مهما من هذا المشهد الجامعي العلمي والمعرفي والنهضوي المحلي أو الإقليمي أو العالمي، فضلا عن أن يكون لها دورها الفعال في الصراع الحراكي الوطني الجزائري. ولعل تقديمنا بعض المشاهد الجامعية التعيسة ونتفا من الصور البائسة التي يتصف بها معظم هؤلاء الجامعيين، والتي صارت –للأسف- اسم علم كل منتمٍ لهذا الوسط المحسود والمرصود اجتماعيا ونفعيا، لأن معظم المنتمين لهذا الوسط الجامعي لا يعرفون طبيعة ونوعية ومكانة وأهمية الوظيفة المنوطة بهم كيانيا، كما لا يعرف غالبية من يحمل هذا اللقب العلمي الفضفاض أيضا ما هو المقابل والمنتظر منهم سياسيا واجتماعيا ونهضويا، وهو واقع هؤلاء الجامعيين التعساء. هل نتوقع أنّ من يجهل ويذهل عن حقيقة وظيفته، أو من لا يعرف حدود وآفاق المطلوب منه مهنيا واجتماعيا وسياسيا ونهضويا، أن يكون نخبة من نخب التغيير، فضلا عن أن يكون قائدا من قادة التغيير في هذا الحراك؟ طبعا سيكون الجواب بلا. وفي دراسة قام بها أحد الباحثين الجزائريين عن كلية جامعية يعمل فيها في إحدى جامعات الشرق الجزائري تضم 120 أستاذ وأستاذة، أكثر من نصفهم يحمل درجة الأستاذية، كانت نتائجها كارثية بكل المقاييس العلمية والحضارية، فلم يستطع أكثر من (90%) من الأساتذة المستجوَبين الإجابة على مكوّنات مهامه ووظيفته كأستاذ جامعي، فيما تراوحت نسبة ال (10%) المتبقية من المستجوبين بين متفهِّم لبعضها، وغير عارف ومدرك لبعضها الآخر. وبيّنت الإحصاءات الإدارية وكشوف الحضور والغيابات أن غالبيتهم لم يُدرّسوا الحجم الساعي المطلوب منهم قانونيا، وأن نسبة الغيابات كانت مرتفعة جدا، فالأقسام والحجر تبدو فارغة، حتى إذا كان موعد الحصص المسائية لا تجد غير طلاب وأساتذة السنة الأولى هم الذين يدرسون فقط، وتجد الجامعة في صمت رهيب ومخيف من الفراغ والغياب، فثمة من درّس حصة أو حصتين فقط في السداسي الثاني، ولا تستطيع الإدارة فعل أي شيء لأن المنظمات الطلابية ونقابات الأساتذة التي ليس لها من وظيفة سوى تعكير صفو البحث العلمي وشل العمل التربوي والتعليمي، من هذا الصنف الذي يغيب ولا علاقة له بالعلم ولا بالبحث العلمي، بل يذهب بعيدا ليُخيف الإدارة إن حاولتْ معاقبة أو حتى مساءلة الغائبين من الأساتذة الفاشلين والأستاذات الفاشلات في البحث العلمي والتربوي والتعليمي. أما المطبوعات والدروس التي تُقدَّم للطلاب فهي هزيلة معرفيا ومنهجيا وعلميا وتكوينيا، فلا تجد فيها منهج أخذ هذا العلم، ولا مصطلحاته، ولا معارفه الأساسية، وهي كلها منقولة وملفقة من مراجع وكتب تُقدَّم في الجامعات العربية، فهي مجرد معتصرات من مختصرات، لا تكاد تغطي جزءًا يسيرا من هذا أو ذاك العلم الغزير والمتين. وفي دراسة إحصائية أُجريت على أستاذات هذه الكلية، تبين أن ثلاث منهن فقط دخلن عالم التأليف، والخمسين الباقيات لم يُؤلفن شيئا في حياتهن العلمية إلا مقالين أو ثلاث مقالات للترقية في مرحلة المناقشة والتأهيل والأستاذية التي رخص مقامها وهزلت وسامها وتسنمها كل مفلس. أما الأولى منهن فقد كتبت كتابا قبل عشرين سنة، والثانية شاركت في كتاب جماعي، والثالثة أديبة وشاعرة أصدرتْ بعض الدواوين الشعرية، وبالمعيار العلمي فهي مبدعة وليست باحثة، والباقيات ماذا يفعلن في الجامعة؟ ولماذا تُعطى لهن الأجور؟ ولماذا يُسكت عن تقصيرهن؟. وقد حاول أحد العمداء المتميزين أخلاقيا ودينيا وعلميا ومعرفيا وسلوكيا.. أن ينهض بكليته تلك، وأراد أن يرفع من شأن موقعها الإلكتروني، فطلب من الأساتذة المائة والعشرين أن يتقدموا بموجز سيرتهم الذاتية، فلم يجبه لذلك إلا عشرات فقط، وامتنع الباقون، لأنهم لا سيرة علمية لهم، غير الغيابات وصناعة لوبيات الضغط، والتستُّر والتمترس وراء الفروع النقابية الفاشلة. وكان من بين ما طلبه لتزيين موقع الكلية والأساتذة صورة عن غلافات كتبهم ومؤلفاتهم، فلم يستطع أن يجد سوى عشرة أساتذة مؤلفين فقط، أما البقية فهم عطْلٌ من التأليف والكتابة؟ وحتى لا نغرق في سرد الحالة الهزيلة التي آل إليها المشهد الجامعي في عهد الفساد 1999-2019م البوتفليقي، نسرد هذه الحادثة التي جرت لأحد الأساتذة الجامعيين العرب الذين زاروا إحدى الجامعات البريطانية؛ ففي بوابة الجامعة وجد لوحا كبيرا به صور لمجموعة من الأساتذة وكُتِب تحت كل صورة اسم الأستاذ، ويعلو اللوحَ الكبير عنوانٌ كبيرٌ مفاده (ماذا يفعل هؤلاء هنا؟)، ولمَّا قابل عميد الكلية سأله عن ذلك اللوح والشعار؟ فقال له العميد: (إن هؤلاء الأساتذة لم يكتبوا مقالا أو بحثا أو دراسة خلال هذا العام). أو ننتظر من هذا الصنف الذي لا يعرف مهامه ووظائفه المهنية والحضارية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والتربوية.. أن يأتي منه الخير، أو أن يكون نافذة نورانية يُطلُّ الناس منها على عالم الحقيقة والمعرفة والوعي؟ لقد شهدنا هذا من الحوارات التي كانت تجريها الفضائيات مع هذا الصنف الذي لم يستطع أن يُجري مداخلة أو مقاربة وفق الموروث المعرفي في تخصُّصه، فالحراك موضوعٌ واسع جدا، لا يمكن مقاربته إلَّا من زوايا مختلفة، لعل تسعة أو عشرة علوم ومعارف تشترك في مقاربته كل من زاويته ونظرياته ومداخله، فلم نجد أياًّ من هؤلاء الثرثارين من انطلق من نظريات تخصُّصه، فالمشتغل بعلوم الإعلام والاتصال يجب أن يتناوله من خلال الكمّ النظري المدروس والموروث الذي به ندخل إلى بوابات التحليل المنطقي والمعرفي المقبول.. وهذا سائر المداخلات العلمية عبر مختلف المعارف ونظرياتها، لا كما شهدنا في تلك الظواهر الكلامية الفارغة. أريد فقط أن أبيّن في خاتمة هذا المقال مهام النخبة الجامعية، التي ذهلتْ عنها النخبُ الجامعية خلال ثلاثة عقود من الدماء والفساد 1989-2019م فهي معنية بثلاث مهام ووظائف كبرى هي: 1 – إنتاج المعرفة: (الحية: الطلاب، الصلبة: الكتب، الإلكترونية: المعارف الشبكية المختلفة: سمعي بصري، محاضرات، أشرطة، كتب، معارف، ومقالات إلكترونية..). 2 – قيادة المجتمع وتوجيه الفئات الاجتماعية الوجهة المطلوبة. 3 – التحكُّم وضبط مسار النظام السياسي عبر الكتابات والتنظيرات وعلم المستقبليات والاستشراف.. أعتقد أن أساتذة الكلية التي أُدرِّس فيها يظنون أنني أقصدهم، إنني أقصد كل هذا الصنف في كليتي أو في غيرها، فإما أن تتغيروا وإما أن تسألوا أنفسكم هذه الأسئلة التغييرية: (أين موقع النخبة الجامعية من الحراك الوطني؟) و(ماذا نفعل هنا؟) و(لماذا نأخذ أجرا لا نؤدِّي حقه؟) و(لماذا لا نؤلِّف؟) و (لماذا نحشر أنفسنا ونتسابق على الفضائيات بالثرثرة واللغو؟)، و(هل نحن فاسدون أيضا بأخذنا المال الحرام؟) و(هل نحن فاسدون لأننا شغلنا مناصب لسنا أهلا لها؟) وهل وهل؟.. رجائي أن تجيبوا. وإلاّ فارحلوا لأن عجلة التغيير الحراكي قادمة.