أكد المجلس الدستوري نتائج الداخلية بعد أن أقفلت مكاتب الاقتراع أبوابها بالجزائر لتفتح صناديق الانتخاب على فوز ساحق لشعار الاستمرارية. ومع النسبة العالية التي حصل عليها هذا الشعار علا سقف المطالب التي على الرئيس الفائز العمل من أجل تلبيتها. * وتجمع الآراء التي رصدتها وسائل الإعلام على أن همّ المواطن الأول يتمثل في تحسين المعيشة وتوفير الشغل والسكن وهي ذاتها المطالب التي مازالت تتردد منذ مدة طويلة ولكن في هذه المرة تتردد على خلفية وضعية ممتازة للاقتصاد الجزائري من حيث احتياطي الذهب والصرف ووضعية أمنية جيدة ولكنها مطالب تقابلها أزمة اقتصادية عالمية مقلقة وتحديات جديدة تخص التحول في نظام التجارة بين الدول. فماذا يخفي المستقبل القريب من مشاهد على سلم تلبية مطالب الناخب الجزائري؟ وماذا بين يدي السلطة من فرص لتحقيق شعار الإستمرارية؟ * * المعارضة الغائبة تصنع المفاجأة * * فاجأت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة الجميع في الشق المتعلق بحصيلة المعارضة التي لم تتمكن من المشاركة الفعلية ولا من طرح حلول مفهومة لما يطبع الحياة اليومية للناخب من مشكلات. وهكذا غرق كل من تداول على منبر الحملة الانتخابية في ترديد الوعود ذاتها التي ماتزال تميز الخطاب الانتخابي الجزائري. كما أن نمطية ذلك الخطاب جعله خطابا في اتجاه واحد ولم يمكن الناخب من المقارنة بين المتنافسين. * يبدو أن المعارضة السياسية في الجزائر قد عوقبت فعلا ليس لأنها غائبة عن المشهد الوطني لسبب أو لآخر فقط، بل لأن ظهورها هذه المرة كان خطابيا وخاليا من أفكار مقنعة وقوية. كما يبدو أن الناخب يمر بتطور إيجابي على سلم التفاعل الانتخابي حيث تحرر من النسق الخطابي الذي غالبا ما يكتنز أفكارا كثيرة ولكن مبعثرة وأصبح متأثرا أكثر بما هو ملموس من المشاريع، وهو ما أكسب شعار الاستمرارية أوراق قوة وضغط كثيرة مادام يستند الى إنجازات حقيقية، ولكن الى أي حد؟ * مطالب تتزايد واقتصاد يشكو * * وبقدر ما كانت إنجازات الجزائر للفترة الأخيرة ملموسة ومقنعة للناخب، بقدر ما تضع الحكومة للفترة القادمة أمام تحد حقيقي يتمثل في الاستمرارية حقا على نفس الوتيرة بل وبسرعات أكبر. فالمشهد الاقتصادي العالمي يشهد تحولا جذريا لا أحد بمنأى عن آثاره القريبة. انكماش في منطقة التعاون الاقتصادي الأوربي الشريك الرئيسي للجزائر بنسبة 3 بالمائة هذه السنة، تباطؤ في التبادل التجاري العالمي بنسبة 6 بالمائة، ويقابل ذلك في الأفق انهيار ضريبي وتراجع في قيمة الدولار وصعوبات في تمويل الاستثمار. * وتذهب التوقعات الى أن أكثر الدول استجابة لهذه المؤشرات هي تلك الدول التي تعتمد على الأسواق الخارجية وتلك التي تفتقر الى نظام إنتاجي سريع التكيف مع الأزمات أو يملك هامش مناورة مُواتٍ لتقلبات الأسواق. * وأمام هذا المشهد المتشائم بدأت الجزائر تدفع الثمن منذ الشهر الأول من العام الجاري، حيث أفاد مصدر من شركة »سوناطراك« أن عائدات البلاد من المحروقات للثلاثي الأول من العام بلغت 10.7 ملايير دولار ما يعني تباطؤا قدره 50 بالمائة عن الرقم المسجل لنفس الفترة من العام السابق، وفيما بقي سعر البرميل من النفط على مستواه الحالي، فإن العام الجاري لن يسمح بتصدير أكثر من 40 مليار دولار وهو ما يمثل قيمة الواردات الجزائرية للعام السابق فيما بقي الدولار محافظا على سعره أمام اليورو، أما إذا تحقق مشهد تراجع الدولار خلال السنة فإن الميزان التجاري الجزائري سيميل الى العجز للمرة الأولى منذ مدة طويلة. لا أحد يعتقد أن تطورا جديدا سيمس قائمة مطالب الناخب الجزائري التي تحولت من مطلب السلم والأمن الى مطالب تخص الرفاه الاجتماعي، بالنظر الى بحبوحة الاقتصاد المالية ولكن في نفس الوقت قد تتعرض منظومة الجباية والتحويلات والاستثمارات والتجارة الخارجية وأسعار المواد الى تغيرات مهمة تقلص من هامش المناورة أمام المقرر الجزائري وربما تخيب آمال الناخب مرة أخرى. * * المؤسسة المنتجة تبحث عن فضائها * * أفاد مصدر مسؤول أن قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر يضم 320 ألف مؤسسة موزعة على نشاطات يغلب عليها الطابع العائلي ولا يمكنها أن تشكل برجوازية صغيرة، فضلا على أن تجسد قطاعا خاصا متينا. وأفادت دراسات من الإقتصاد الأمريكي أن القطاع الإنتاجي الوحيد الذي سلم من الأزمة المالية العالمية هو فعلا قطاع المنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم، ما دفع مجموعة العشرين المجتمعة في لندن الى إعادة تقييم هذا النوع من المؤسسات كصمام أمان أمام هزات اقتصادية مرتقبة، وسرعان ما أشار البنك العالمي في تقرير أخير له الى أن العالم في المستقبل سيكثف من اعتماده على القطاع الخاص أي على المرحلة المتطورة من قطاع المنشآت الصغرى. * هذا النوع من المنشآت يحظى في الخطاب الاقتصادي الجزائري بمكانة مهمة ولكن لا أحد يفهم لماذا ظل دوره في إنتاج الثروة هامشيا. وربما تتيح مشاهد الأزمة الحالية في الإقتصاد العالمي أمام الجزائر فرصة إطلاق خطة جديدة باتجاه القطاع الخاص تكون على درجة من الجرأة والوضوح ما يمكن البلاد من تحويل نظامها التجاري ومنظومة جبايتها جذريا؛ خطة تضع حجر الأساس لعهد جديد من إدارة الاقتصاد وتسمح بالانتقال سريعا من العمل بالبرامج والخطابات الى التدخل بالاستراتيجيات الذكية.