بمناسبة إقبال الطلبة الباحثين على اختيار مواضيعهم لهذه السنة الجامعية، رأيت أن أقدم بعض الملاحظات التي أتمنى أن يأخذها الباحث بعين الاعتبار وهو يدخل غمار البحث الأولي، في انتظار دخول غمار البحث المعمق. هي مراحل رأيت أن لا مفر منها، بالنسبة لكل باحث، يصبو إلى الوصول إلى نتائج بحثية علمية خاصة بعيدا عن التقليد والنسخ عما هو كائن وموجود. فمن فكرة البحث عن الموضوع إلى تجسيده على أرض الواقع، يمر البحث عبر مراحل مهمة وواجبة. قبل أن يستقر الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والنفسية على موضوع بعينه، سيطرح أمامه جملة من الأفكار تتجسد أساسا في مجموعة من العناوين المتقاربة في المضمون، تجمعها فكرة واحدة أو تخصصا واحدا، إذ يجب على الباحث أن يحدد أولا المجال الواسع الذي يبحث فيه، ثم وبدقة عليه أن يحدد المجال الأضيق الذي عليه أن يحصر أفكاره جميعها فيه. بمعنى أن يسير ببحثه من الكل إلى الجزء، من الشامل إلى المحدد، وليس العكس أبدا. على الباحث أن يطرح الأسئلة كلها التي تخطر بباله وتخص موضوع بحثه من قريب أو من بعيد. فانطلاقا من هذه الأسئلة أو التساؤلات، على حد تعبير بعضهم، يمكن أن يتوسع أفق البحث، وتتنوع مصادره ومراجعه. ولأن الموضوع واسع وشاسع، ارتأيت وبحكم تخصصي الميداني أن أوجه ملاحظاتي إلى الطلبة الباحثين في ميدان الترجمة بتخصصاتها وفروعها، فمن البحث في السمعي البصري، الدبلجة والسترجة، إلى الإشكالات التي طرحها ويطرحها موضوع التنظير للظاهرة الترجمية، منذ البدايات الأولى، أقصد منذ قبل الحرب العالمية الأولى، إلى عصر استقرار الترجمة واعتبارها علما قائما بذاته، أقصد انفصاله عن اللسانيات في النصف الثاني من القرن العشرين، بظهور مجموعة كبيرة من المؤلفات التي حاول أصحابها أن يؤسسوا لنظرة جديدة للترجمة وإبعادها عن العلوم الأخرى، خاصة اللسانيات والصوتيات والديداكتيك وعلوم اللغة جميعها. يعد اختيار الموضوع بالنسبة للطالب الباحث في الماستر وفي ما بعد التدرج [الماجستير والدكتوراه] من أصعب مراحل البحث. فالموضوعات لا تنكشف للباحث بسهولة، بل بعد قراءات متعددة في موضوع بعينه، مدفوعا ذاتيا أو بتوجيه من أساتذته القريبين منه. سأركز، كما سبق وأن قلت، هنا على الطالب الباحث في ميدان الترجمة بتفرعاتها وتميزها في البحث عن الميادين الأخرى، الأدبية والعلمية والفلسفية والاجتماعية والنفسية وغيرها. بادئ ذي بدء، على الطالب الباحث في الترجمة أن يسأل نفسه سؤالا أراه جوهريا [حول ميدان بحثه]: أي الموضوعات الترجمية التي تثير اهتمامه، بين ميدان الترجمة التحريرية وميدان الترجمة الفورية.؟ ، حيث يعتمد في البحث في الترجمة التحريرية على المكتوب أكثر من الشفهي والعكس صحيح بالنسبة للترجمة الفورية حيث يعتمد على السمعي البصري وما هو منطوق أكثر مما هو مكتوب. وتأتي الخطوة الثانية بعد تحديد الميدان واختيار الموضوع، مرحلة القراءة العامة، البحث الوثائقي أو ما أسميه شخصيا بقراءة هوامش البحث أو القراءة البعيدة وولوج عالم المكتبة العامة أولا ثم المكتبة المتخصصة ثانيا، إذا لم يكن للباحث دراية كبيرة وكافية بالدائرة العلمية لموضوعه. كأن يقرأ مثلا بعض الكتابات التي تؤرخ لموضوعه باختصار، ثم ينتقل إلى التوسع من خلال قراءة كتب أطول وأكثر توضيحا وتفصيلا. إضافة إلى زيارة المواقع الإلكترونية التي تهتم بالترجمة عموما، تاريخ الترجمة والموسوعات الترجمية والتنظير الترجمي وتقنيات الترجمة وإجراءات الترجمة، والترجمة والعلوم الأخرى، وانفصال الترجمة واستقرارها كمادة مكونة لكينونة خاصة، وهو يطلع على المادة التي تضم موضوعه، يتكون لديه ميل أكبر للتخصص في ميدان بعينه وفي موضوع خاص. يجب أن يتميز الموضوع المختار بالجدة والأصالة وهما أهم خاصيتين يجب أن يراعيهما الباحث والمشرف على البحث، والجدة في العلوم الإنسانية – خاصة- لا تعني أبدا عدم البحث في الموضوع نفسه من قبل، وإنما الجدة هي التي تجعل الطالب الباحث يهتم بشغف بموضوعه عله يقدم الجديد أو أن يجمع ما قيل في الموضوع وأن يبدي برأي سديد يضبط من خلاله مفاهيم قد تبدو صعبة على القارئ العادي، وكأنه يجعل نفسه واسطة بين النصوص والقارئ البسيط. أما الأصالة فتتمثل أساسا في طريقة معالجة الموضوع والمنهجية المتبعة والنتائج المتوصل إليها، هذه الأخيرة التي يعتبرها علماء البحث العلمي صلب البحث. أن يكون الموضوع محدودا في الزمان والمكان والمعرفة، وأن يناسب القدرات المعرفية والعلمية للطالب الباحث. للتواصل العنوان الالكتروني : [email protected]