يبدو أنّ الّذين يتخلّفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرّسول الخاتم صلّى اللّه عليه وسلّم ومناصرته وتأييده، تمسّكًا كما يزعمون بديانتهم، لا بحقيقتها، لأنّها في أصلها وجوهرها تدعوهم إلى الإيمان به وتحثّهم على تأييده ونصرته.. هم يتخلّفون باسم هذه الديانة تعصّبًا لأنفسهم في صورة التعصّب لها، مع أن رُسُلَهم الّذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا عهدًا ثقيلاً غليظًا مع ربّهم في مشهد مرهوب جليل.. في ظلّ هذه الحقيقة يبدو أولئك الّذين يتخلّفون فسقة عن تعليم أنبيائهم، في انحراف في ميادين حياتهم وفي تناقض في معتقداتهم وصراع مع ضمائرهم.. فهم فسقة عن عهد اللّه معهم، فسقة كذلك عن نظام الكون كلّه المستسلم لبارئه، الخاضع لناموسه المدَبَّر بأمره ومشيئته سبحانه وتعالى.. إنّه لا يتولّى عن اتّباع هذا الرّسول الخاتم إلاّ فاسق كاذب أثيم، لأنّه لو كان صادقًا في إيمانه مع رسوله المبعوث إلى قومه لآمن منطقيًا بالرّسول الأخير.. ولا يتولّى عن دين اللّه إلاّ شاذ، شاذٌ في هذا الوجود الكبير، ناشزٌ في وسط الكون الطائع المستسلم المستجيب. والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلّمة لربّها إسلام كلّ شيء وإسلام كلّ حيّ. فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب، إنّما يصطدم أوّلاً بفطرته الّتي بين جنبيه، فيشقى ويتمزّق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية الضّالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب، على الرّغم من جميع الانتصارات العلمية وجميع التّسهيلات الحضارية المادية، الّتي وإن نفعت البشرية في جُلّ ميادين الحياة، استعبدت مفكّريها وصانعيها وداستهم بأقدامها وزرعت في نفوسهم وحشيتها، إذ لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمّة، ولا يُراعون في الأرض النّفع والصّلاح.