يتسلّم، شهرَ أفريل القادم بقسنطينة، الإعلامي والكاتب سعيد خطيبي جائزة ابن بطوطة الإماراتية في دورتها الحادية عشرة لعام 2015، التي حاز عليها كتابه "جنائن الشرق الملتهبة، رحلة في بلاد الصقالبة"، عندما حوّل حيثيات مهمة إعلامية إلى رحلة أدبية شيّقة خطّها بقلم الروائي المبدع والصحافي الدقيق، فارتحل بين عدة مدن، ونقل ما عايشه ولاحظه في بلاد الصقالبة الواقعة شرقي وجنوب شرقي أوروبا، باحثا عن الملامح الحقيقية لدول تجمع بينها الجغرافيا، وتفرّقها الصدامات الدينية والإثنية، حسب توصيفه، وراحلا في تاريخها ونفسيات أهلها وفلسفتهم في الحياة والأدب والفن والحرب ونظرتهم إلى واقعهم ومستقبلهم. وفي هذا السياق، يعود خطيبي - الذي سيتسلم الجائزة على هامش ندوة "الرحالة العرب والمسلمين، اكتشاف الذات والآخر" - في الكتاب الصادر عن "دار السويدي" في أبو ظبي، إلى التاريخ السياسي والأدبي والفني للمدن التي يزورها، واصفا دفء الأمكنة وحميميتها تارة، وبردها ووحشتها تارة أخرى، فقد عاشت هذه الأمكنة سلسلة من الصراعات الدامية، ناهيك عن النزاعات والانشقاقات والمناوشات المسلحة التي تلت سقوط يوغسلافيا. ويجد أن تلك البلاد تتقاطع مع بلاد العرب تاريخيا في خضوعها للدولة العثمانية، كما يرى أن هناك ميزات مشتركة تجمع بينهما، يحاول رصد بعضها في رحلته. يذكر الكاتب أنّه اكتشف بعد ثلاثة أسابيع من ترحاله، أنّ السفر لا يقاس فقط بالمسافات، وإنّما أيضا بالحالات النفسية التي يستشعرها المرء، والتي تختلف بالانتقال من مكان إلى آخر سواء كان قريبا أو بعيدا، ويجد أنّ السفر الأكبر ليس سفرا في الجغرافيا، بل هو سفر يعيدنا إلى ذواتنا، ويستشهد بمقولة الفرنسي إيبوليت تاين: "نحن نسافر لتغيير الأفكار، لا لتغيير المكان". كما يتوقّف خطيبي في رحلته عند شخصيات أثرت في تاريخ المدن التي زارها، والتاريخ الحديث للعالم بقسطها الوافر. يحكي سعيد خطيبي انطباعاته الأولى عن المدن، وتغيّرها أثناء التجوّل والتعرّف إلى تفاصيلها. ويدرك الكاتب أنّ الترحال - مهما اختلفت بقاعه - يعيد المرء باستمرار إلى بقاع عرفها، وأمكنة عاش فيها وتنفس فيها؛ رغبة في الاكتشاف ولذة الحلم، ويختم بقوله: "السفر إلى الخارج ليس سوى عودة إلى الداخل". ويقول صاحب "جنائن الشرق" إن هناك فسيفساء تظهر للزائر وتختصر أوروبا في بقعة واحدة، وخلف الواجهات الصارمة والنظرات الخاطفة للمارة تتمدد حياة إنسانية دافئة ومتوهجة، وتتكاثر معابد الفن، وتزدهر حركة تشكيلية معاصرة، حيث تتقاطع الهويات والإثنيات التي وجدت في المدينة نفسها نقاطا مشتركة تجمع بينها. وفي هذا السياق، عبّر وزير الثقافة عز الدين ميهوبي عن فخره واعتزازه بهذا التتويج والاستحقاق الذي ناله عن جدارة، وشرّف به الحركة الأدبية والثقافية في الجزائر، وتضاف إلى قائمة الأعمال الإبداعية والفكرية التي حصدها مبدعونا ومبدعاتنا في العالم العربي وأوروبا. للإشارة، استطاع خطيبي أن يحجز مكانة إلى جانب المتوَّجين من بين 36 عملا ترشّحت للجائزة بفروعها الأربعة. وحصل الإماراتي محمد عبيد غابش على الجائزة نفسها مع الجزائري خطيبي عن كتابه "غفوة الذئاب، رحلات حول العالم". وستسلَّم الجوائز للفائزين في احتفال تشهده مدينة قسنطينة شهر أبريل القادم، ضمن احتفالاتها كعاصمة للثقافة العربية 2015. وللتذكير، بدأ الصحافي الجزائري سعيد خطيبي مشواره بالجزائر من خلال عمله في الصحافة الوطنية قبل أن ينتقل إلى الخارج ليواصل مسيرته. وسبق أن حصل على جائزة الصحافة العربية سنة 2012، كما أصدر عددا من الكتب في مختلف المجالات، أهمها روايته الأولى "كتاب الخطايا" (2013)، و«أعراس النار، قصة الراي" (2010)، وكتاب "عبرت المساء حافيا"؛ حوارات مع أشهر الكتّاب الفرانكفونيين.