أكد المدير المساعد في مؤسسة البحث الاستراتيجي بفرنسا السيد فرانسوا داقوزان ضرورة إيجاد منطق قوي للتعاون من أجل حل الأزمة في مالي، مجددا موقف بلاده بخصوص التدخل العسكري عندما يتحتم الامر ذلك. وأبدى داقوزان تفهمه للموقف الجزائري الذي يميل إلى الحل السياسي لأن الجزائر معنية بجملة من الامور في المنطقة، فهناك حركة التوارق وتنظيم القاعدة. ليضيف في هذا الصدد "حتى وإن كان هذا المقترح مؤسسا فإن هناك فترات تستدعي حل المشكلة عسكريا". وعلى هامش ندوة نظمها، أمس، المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة في إطار "سلسلة اللقاءات "قواسم دولية" بفندق هيلتون، أشاد المحاضر الفرنسي بالتعاون الجزائري الفرنسي في مجال مكافحة الارهاب والذي أعطى نتائج رائعة، مؤكدا ضرورة ارساء مقاربة للتعاون بين البلدين لمعالجة الازمة المالية، نظرا للتداعيات التي قد تفرزها والتي ستنعكس على الامن الداخلي للجزائر على المدى البعيد، كما ستنعكس على فرنسا وأوروبا بشكل عام. ويرى انه ليس من مصلحة دول المنطقة ككل إقامة "امارة للجهاديين "على حدود الساحل، مما يستدعي استعمال كافة الوسائل بما فيها المفاوضات والضغوط العسكرية للتاثير دون حدوث ذلك إذا لم تنجح الاولى في تحقيق الاهداف المنشودة. وأوضح داقوزان انه يجب التفريق بين الحرب والارهاب لان هذا الاخير مصنف على انه جريمة تقتضي محاربتها بوسائل العدالة، مضيفا انه لا يجب اعطاء الفرصة للارهابيين لتحقيق أهدافهم وان يشعروا بانهم ابطال "فالمجرم يبقى مجرما". وفي رده على سؤال حول امكانية تكرار سيناريو ليبيا في مالي، قال المحاضر الفرنسي ان الامر مختلف لان مطالب الليبيين كانت ازاحة القذافي نظير الجرائم التي اقترفها في حق شعبه، في حين ان مالي دولة ذات سيادة استهدفت من قبل منظمات ارهابية متعددة. وخلال العرض الذي قدمه تحت عنوان "الارهاب الدولي: الثوابت و المتغيرات"، رفض السيد داقوزان إلصاق ظاهرة الارهاب بمجتمع دون آخر، مضيفا أن الافة وجدت منذ قرون عديدة ومنطقه واحد إلا ان ثوابته متغيرة، مشيرا الى ان الارهاب الدولي كان موجودا ويرتكز على ايديولوجيات مختلفة برزت في إطار تاريخي وسياسي محدد. غير ان تطور الظاهرة عرف تصاعدا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر بظهور وسائل الاتصال، ففي الوقت الذي كان الامر ينحصر قبل ذلك على اغتيال الملوك والزعماء ومساعديهم الذين يمارسون السلطة، تطور الامر بظهور المنظمات المناوئة للنظام على يد الحركات الفوضوية بروسيا على سبيل المثال وفق منطق "القيام بالافعال للتعريف بالقضية ثم الاقناع". واستشهد داقوزان بجملة من الاحداث التاريخية كما هو الشان للاغتيالات التي استهدفت رؤساء العالم كما حدث في الولاياتالمتحدةالامريكية، مشيرا الى ان الظاهرة عرفت تغييرا في الاسلوب وفق رؤية عصرية خلال ال30 سنة الاخيرة من خلال استعمال الاسلحة وبالاعتماد على الاشهار الذي توفره لها وسائل الاتصال. وقال داقوزان ان للإرهاب أشكالا متعددة، فمنه الموجود في مناطق لا يتعدى حدودها مثل النيبال والتامول ومنه المنتشر دوليا كماهو الشان لإرهاب المتطرفين الإسلاميين، الذي يرتكز على مفاهيم تستند الى خلفيات تاريخية والذي تطور منذ سنوات الثمانينيات. وبالعودة إلى هذا السياق التاريخي، فقد أشار إلى أن هزيمة الاتحاد السوفياتي سابقا بمشاركة جهاديين، قد فتحت المجال أمامهم للتفكير في خوض تجارب مماثلة في بلدانهم، الا انهم لم يكونوا ينتظرون ردة فعل بلدانهم من خلال محاربتهم لهم. وأمام هذا الوضع لم يجد الارهابيون من وسيلة لإثبات ذاتهم سوى البحث عن صدى عالمي من خلال القيام بعمليات كبيرة كماهو الشأن لأحداث 11 سبتمبر، غير أن التفكك الذي اصاب نواة التنظيم الارهابي "القاعدة" المتمركز في قلب اسيا لم يوقف نشاطه من خلال الاعتماد هذه المرة على فروعه المنتشرة عبر مناطق من العالم مثل الساحل و العراق واليمن. وأشار إلى أن افرازات الازمة الليبية وما يسمى بثورات الربيع العربي ساعدت كثيرا في تنامي نشاط الارهابيين، وحتى أن ذلك انعكس على اوروبا من خلال النشاطات التي يقوم بها الجيل الثالث او الرابع من المهاجرين على ضوء قناعاتهم الدينية وبروز ما يسمى "بمقاهي الجهاديين" بالانترنت. كما اوضح ان الاشكالية الايديولوجية تسيطر على الوضعية الدولية ولهذا نجد أن الارهاب يغتنم فرص الازمات الاقتصادية للاستثمار في نشاطاته لكن وفق صيغ متعددة وأنواع مختلفة تغذيها أفكار يمينية متطرفة او سريالية مثلما تشهده بعض الدول الغربية. وختم المحاضر بالقول أنه من الصعب تحديد مفهوم للارهاب، وإن معالجته تقتضي حلولا طويلة المدى من خلال سن تشريعات وقوانين قضائية، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي على ضوء متطلبات العولمة وتطور وسائل الاتصال الحديثة.