تحدّث الخطيب بوضوح تامّ لا يحتمل الريب وعبّر عما يريد بكلمات قاطعة وعبارات ربما ظن أنها جامعة مانعة.. تحدّث عن مسألة خطيرة ما كان ينبغي له طرحها هكذا على عوام الناس حتى لو كانت موضع إجماع بين الخلف والسلف، وبين الخلف على اختلاف مشاربهم ومدارسهم الفقهية.. لقد دعا، دون وعي، إلى حرب شاملة أو انغلاق تام بعد بناء سور كامل شامل يشبه سور الصين العظيم. الرجل كان طيّب النية وسليم الطوية، وليس لنا أن نفترض فيه غير ذلك، لكنه راح يفسد من حيث ظنّ الإصلاح، وتوغل في أوهام كلامية معتقدا أنه يطلق دُرَرًا من القول غفل عنها الأوّلون ويعجز عن الإتيان بمثلها المتأخرون.. ظن أنه يساهم في الحدّ من ظاهرة الهجرة السرية إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط؛ فخاض في كلام أكبر منه بكثير. لقد تحدث الرجل عن حرمة السفر إلى (بلاد الكفار)، ولم يكتف بذلك بل أوجب العودة على المسلمين الذين هاجروا إلى هناك واستقروا وطاب لهم العيش وتناسلوا وتكاثروا وصارت لهم ذريّة لا تعرف لها بلادا أخرى غير تلك الأوطان، ولم يكتف (فقيه العصر) بذلك بل أوجب أيضا على المسلمين الجدد هناك الهجرة إلى بلاد الإسلام، وهو كلام خطير جدا لأنه يدفع الراغبين في اعتناق الإسلام إلى التردد والتفكير مليّا، لأن (الدّين) الجديد يطلب منهم ترك أوطانهم والهجرة إلى ديار أخرى تختلف عنهم لغة وثقافة ومدنية ومناخا وتضاريس. إن مصطلح دار الإسلام ودار الكفر وليد عهود إسلامية سابقة، وربما كان لمن وضعه مبررا شرعيا، أو وجهة نظر، لأن دولة الخلافة، في ذلك الوقت، كانت في حروب مع من حولها من الممالك المناوئة، لكن ذلك الزمن يختلف عمّا نحن فيه، وذلك المصطلح صار في حاجة إلى مراجعة في ظل دخول الدول الإسلامية معاهدات دولية متعددة الأشكال والأنواع، وبعد أن صار تبادل العلاقات بين الدول هو الأساس، بدل الحرب والتشاحن في تلك الحقبة التي أطلق فيها بعض الفقهاء مصطلح دار الكفر ودار الإسلام. إن مخاطبة العوام في المساجد بهذه المصطلحات مغالطة قد تكون لها نتائج عكسية، وقد تؤدي إلى غرس شبهات تمسّ علاقتهم بالدين من أساسها؛ لأنهم سيعيشون حالة من التناقض الداخلي بين ما يرون في حياتهم وبين ما يقوله إمام المسجد أو عالم الدين عن الإسلام وحدوده وضوابطه. إن الشباب خاصة يعيش عصر التكنولوجيا الحديثة ويرى تطور وسائل الاتصال وغيرها من التسهيلات الحياتية التي جاءت من (بلاد الكفار) بعد أن سبقونا بمسافات طويلة في ميادين العلوم والمعرفة والاختراعات، ثم يأت بعد ذلك من يقول لهم إن الدين يرفض مجرد السفر إلى تلك البلاد (الكافرة)، بل ويطلب حتى من أهلها المسلمين الأصليين (من ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر) الهجرة إلينا والحياة بيننا لأنه الطريق الأسلم لهم دينيا. دعونا نتخيّل حالة الصراع النفسي التي سيعيشها أي مسلم بسيط وهو يسمع مثل هذا الكلام.. إن جميع ما بين يديه تقريبا صناعة آتية من (بلاد الكفار).. سيارات، أجهزة منزلية، كمبيوترات، تلفزيونات.. وحتى الميكروفون الذي يتحدث من خلاله الإمام، ومكيفات الهواء أو مسخّناته داخل المسجد.. ثم يطلب منّا السيد الإمام عدم السفر إلى هناك لأنه حرام شرعا. أيها الإمام (الطيب) وأمثالك: لو فتحت (بلاد الكفار) أبوابها للشباب فلا ندري هل ستجد ذلك الجمع الغفير الذي يصلي معك.. ربما أقفرت بعض المساجد من الشباب ولن يظل أمام الخطباء سوى الشيوخ والعجزة ومن حالت ظروفهم دون الهجرة. شباب تحالفت ضده عوامل متعددة وحجبت عنه رؤية جنة الدنيا في غير (بلاد الكفار).. هل يمكن معالجة (جنونه) بفتاوى من القرن الخامس الهجري.. لماذا لا يتحدث أمثال ذلك الخطيب عن الحكام والمسؤولين الذين يسافرون إلى (بلاد الكفار).. ألم ترد علينا مثل هذه الآراء المتشددة من بلد عربي مشرقي سافر (وليّ أمره) قبل فترة إلى (بلاد الكفار) وظل لأشهر هناك في نقاهة وراحة ولمّا عاد هنّأه العلماء، أصحاب هذا الرأي، بسلامة العودة، ولم يسألوه لماذا أقام كل تلك الفترة في (بلاد الكفار)، التي يحرمون السفر إليها، أو يحذرون الشباب من ذلك على الأقل. أيها الأئمة الكرام: إن الشباب لا يكره الالتزام بالدين، لكنه في حاجة إلى إقناع من خلال ربط مسائل الدين بالواقع الذي نحياه.. حدثوه عن دين الحرية والكرامة والمساواة والفرص المتساوية ومحاربة الرشوة حتى لو كان مسؤولا يملأ السمع والبصر.. حدثوا الشباب عن دين المحاسبة والمساءلة والعدالة.. حدثوه عن دين شعاره: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، حدثوه عن ذلك (المواطن) الذي وقف لعمر بن الخطاب، وما أدراك ما عمر بن الخطاب، وقال له لا سمع ولا طاعة حتى تخبرنا من أين جاءك هذا الثوب الذي ترتديه.. حدثوه عن مبدأ (من أين لك هذا).. حدثوه طويلا عن آية (اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) وأعلنوا بشجاعة وصراحة أن أمما غير مسلمة أكرمها الله لأنها كرّمت العلم والقلم.. حدثوه عن هذه القيم والمعاني الإسلامية التي يراها مجسّدة في (بلاد الكفار). وأخيرا.. حذّروهم من الهجرة السرية ومخاطرها على بلادنا، ونبّهوهم إلى جريمة المخاطرة بالنفس في ظلمات الليل والبحر.. لكن افعلوا ذلك بعقل وحكمة.. وبعد أن تبعثوا في نفوسهم الأمل والتفاؤل.. تفاؤل يدفعنا إلى المساهمة في صناعة (جنّتنا) هنا في الضفة الجنوبية للمتوسط.