ليس ثمة ما يمنع الزعماء العرب من أن يعودوا إلى بعضهم في ظل قمة الدوحة العادية، المؤهلة لأن تكون عادية فوق اللزوم. فعكس القمة الطارئة التي احتضنتها العاصمة القطرية على وقع خلافات عربية بلغت درجات متقدمة من العداء جراء تباين المواقف تجاه العدوان الصهيوني على غزة، فإن القمة الدورية تعقد بعد هدوء كل العواصف، أي بعد خراب مالطة كما يقال. أكيد أن العرب هذه المرة لن يختلفوا، ولن يتحرجوا لسبب بسيط أنه ليس هناك ما يختلفون حوله بعد كل الذي حدث، إنها سانحة لإعادة إنتاج أكاذيب المصالحة العربية، والتضامن العربي، ورفض العدوان الصهيوني، وتفعيل المبادرة العربية، وإصلاح العلاقات العربية الإيرانية، والتضامن مع السودان، وما إلى ذلك من العناوين الكبيرة التي لم تعد تحمل أي معنى في ظل الهدوء المؤقت الذي يسود المنطقة العربية بعد أن أكمل الكيان الصهيوني عدوانه على غزة. شعارات لا تؤكد التوافق بقدر ما تعكس مرحلة ما بعد التشنج الكبير الذي طبع العلاقات العربية العربية. لقد تعود العرب على الفرقة والاختلاف كلما تطلب الأمر تكاتفهم وتعاونهم، وكلما كان الخطب يستدعي مواقف حاسمة وجدية. وهذا ما حدث في أفغانستان والعراق، وجنين وحصار عرفات وتدمير مقر رئاسته، والعدوان على لبنان، وغزة، والتكالب ضد إيران، واستهداف السودان، ثم ما برحوا أن عادوا إلى بعضهم عندما حطت الحروب والخطوب أوزارها لقد اجتمعوا وتصالحوا، كما فعلوا في قمة الرياض 2007، ثم سرعان ما تنازعوا واختلفوا فذهبت ريحهم مجددا كما حدث في قمة دمشق 2008... والبقية معروفة؟؟ ولأنها عادية وتنعقد في ظروف عادية ولو بصفة مؤقتة، ففقد تشهد هي الأخرى غياب الكثير من الزعماء العرب ليس بسبب المواقف بين ما يعرف بمحوري الممانعة والاعتدال، والشحناء بينهما، ولكن لأنه ليس ثمة ما يدفع إلى تعطيل العمل فقد يتشكل الغائبون من المحورين. لقد عهدنا الزعماء العرب يؤجلون القضايا العربية إلى المراتب الثانوية بعد قضاياهم الداخلية، وقضاياهم الثنائية مع أبرز حلفائهم: أمريكا بالنسبة لمن يوصفون بالاعتدال، والصين وروسيا بالنسبة لمن يوصفون بالممانعة، وهذا ما يمثل أحد أكبر العوامل المؤثرة والمحددة للمواقف العربية وبالتالي يرسم حدود التباعد والتقارب، ونقاط التقاطع والتنافر. أمريكا والحرص على التفوق الإسرائيلي حقيقة أن التحديات تبقى قائمة في كل زمان ومكان لكنها لا تزن على ضمائر الزعماء فيتجاوزون عنها كلما خمدت، محاولة منهم استرجاع ما تبقى لهم من ماء الوجه أمام شعوبهم، وأمام الرأي العام العربي اعتقادا منهم أن ذاكرة الشعوب أقصر من أن تستوعب هذه التقلبات الغريبة التي تحدث في فترات وجيزة لا تتعدى بضعة أشهر فقط. إسرائيل لا تزال تهدد وتتوعد بضرب ما تسميه بؤر الإرهاب في كل مكان، في فلسطين وخارج فلسطين، ولم تخف بأن عدوانها على غزة ما هو إلا جولة من بين جولات قد تتكرر وبهمجية أكبر كلما ارتأت سلطات الكيان الصهيوني ذلك. وأمريكا لا تزال تنظر إلى المق اومة الفلسطينية على أنها إرهاب وأن الفلسطينيين هم الجناة وإسرائيل هي الضحية التي يجب أ اكتساب القوة النووية بأي شكل من الأشكال حتى تبقى المنطقة في قبضة ن تدافع على نفسها. وأن التطور النووي الإيراني خطر يجب القضاء عليه، ومنع طهران من إسرائيل التي يجب أن تبقى القوة النووية الضاربة الوحيدة في الشرق الأوسط. ثبات في المواقف وتغير في الأمزجة كما أن عرب الاعتدال لا يزالون على ضلالهم الأول، ينظرون إلى حماس على أنها خارجة على القانون وأن المقاومة عمل غير صالح يعرقل خطوات السلام، وأن إيران هي التي تشكل الخطر الداهم على المنطقة وليس إسرائيل، وأن حزب الله هو عين ويد إيران في المنطقة وليس مقاومة مشرفة أصبحت تشكل رادعا فعالا في وجه الهيمنة الصهيونية وطغيانها... وعرب الممانعة لا يزالون هم أيضا على دينهم الأول يرون في إسرائيل الخطر كله، وفي إيران حليف استراتيجي بقوة الدين والجوار والمصير المشترك، وفي المقاومة السبيل الوحيدة، أو الرئيسية لاسترجاع الحقوق المغتصبة، وأن أمريكا ليست وسيطا بقدر ما هي حليف منحاز إلى إسرائيل انحيازا كبيرا في السراء والضراء وحين البأس ، ظالمة أو.. ظالمة ( لا يمكنها أن تكون مظلومة لأنها هي الظلم عينه). وفي حزب الله قوة تشكل إضافة نوعية لقدرات الردع العربية الغائبة تماما بدليل أنها حققت انتصارات لم تحققها الجيوش العربية مجتمعة... وقس على ذلك من القضايا والملفات المعروفة ... والظاهر أن الشيء الوحيد الذي تغير هو الأمزجة فقط التي أصبحت أقل تشنجا وأكثر استعدادا لعقد مصالحة شكلية كأضعف الإيمان. ستبقى الأمة رهينة تحالفات أنظمتها قد يلتقي الفرقاء من المحورين وقد يتعانقون وقد يتصافحون، وقد يتظاهرون بالتصالح والتوافق و"اللي في القلب في القلب" كما يقول المثل الجزائري. لكن يبقى كل حزب بما لديهم فرحون، لأنه بمجرد أن يغادروا دوحة الاسترخاء ومع أول تحرك صهيوني أو أمريكي ستعود ريمة إلى عادتها القديمة، ويتمترس كل فريق وراء مواقفه الحقيقية. وستظل الأمة العربية على تشرذمها هذا تجنح إلى التوافق المغشوش كلما هدأت الأوضاع، ثم تعود إلى سيرتها الأولى كلما جد الجد، و"تتصايح وتعرف أماتها" كما يقول المثل الشعبي أيضا. وستبقى الأنظمة العربية تتصرف على هذا المنوال الانتحاري كلما ظلت بعيدة عن شعوبها، تستمد قوتها من تحالفاتها الخارجية، وكلما ظلت شرعيتها معلقة باستعداد هذه التحالفات على دعمها والدفاع عليها، وكلما ظل ثمن ذلك هو اتخاذ المواقف التي يبغيها أو يمليها الحلفاء وإن كانت ضد مصالح الأمة وقضاياها الجوهرية، وكلما ظل مصيرها مرتبط بالتوازنات الدولية في المنطقة. وعليه ستبقى هذه الأنظمة العربية رهينة تلك التحالفات وسجينة إرادة الحلفاء، ومتوقف بقاؤها على طبيعة تلك التوازنات، وستظل القمم العربية متأرجحة وفق ذلك بين مد وجزر تعكس هذا الواقع المهين فلا تؤثر فيه ولا تقدم في شيء.