في طريق العودة من محافظة المنوفية إلى القاهرة، نسير على نفس الخط الذي سلكه حسني مبارك قبل نحو 50 عاما عندما قرر أن يخرج بعائلته الصغيرة من القرية التي ولد فيها وتعلم المشي ودرس بها.. اليوم لم تعد كفر المصلحة مجرد قرية عادية فقد اختلفت معالمها وزاد عدد سكانها بعد أن اتسعت لكن معالم حسني مبارك لاتزال خالدة، فبيته والشوارع لاتزال تحكي الكثير عن أحلام ”الفتى الطيار” الذي حكم مصر 32 عاما وعزله شعبه في 18 يوما ويحاكمونه اليوم في جريمة قتل أبناء الوطن. لم تكن رحلة البحث عن ”ذاكرة” حسني مبارك، الإنسان والطفل مهمة سهلة، فمعظم الذين عايشوا عهده من أبناء القرية قد ماتوا، ولم يبق من أفراد عائلة مبارك الكبيرة سوى 30 عائلة تتجاوز معظم أعمار أبنائها سن الخمسين. الحاج جميل الخياط.. ابن عمّ الرئيس يحكي لنا الحاج جميل أن ابن عمه حسني مبارك، الرئيس السابق، لم يزر مسقط رأسه منذ أن غادره وأنه ظل خلال فترة الحكم يتعامل مع مسقط رأسه بالنكران وعدم الاعتراف ورغم ذلك فأهله لايزالون يحترموه ويعتبرونه ابنا لهم ويرفضون إهانته، وهو ما يفسر عدم امتداد خيوط ”ثورة 25 يناير” إلى محافظة المنوفية التي تعود إليها منطقة كفر المصلحة، مسقط رأس حسني مبارك رغم أنه لم يزرها أبدا منذ أن بدأ يشق طريقه نحو الرئاسة وعالم السياسة، فآخر زيارة له لمسقط رأسه كانت منذ 40 عاما عند وفاة ابن عمه الدكتور سميح مبارك، عضو مجلس الشعب السابق وتوقفت زيارة حسني في ذلك الوقت عند بلدة شبين الكوم و لميدخل كفر المصلحة أبدا بحسب ما أورده لنا أقارب مبارك في الكفر. سمعة مبارك الرئيس ”المخلوع” لاتزال جيدة في مسقط رأسه خصوصا لدى أفراد عائلته كما يؤكد لنا الحاج جميل ابن عم مبارك، 53 سنة، يعمل خياطا: ”نحن فلاحون وسنظل ننظر إلى حسني من زاوية أنه ابن عائلة مبارك الكبرى، فنحن لدينا الشرف في أن يكون مبارك منا”. واعتبر الحاج جميل أن مشكلة مبارك في السنوات الأخيرة في الحكم بدأت مع تفكير زوجته سوزان في توريث الحكم لابنها جمال ورغم أن عهد مبارك لم يقدم الكثير لكفر المصلحة، إلا أن حنين أهالي مسقط رأسه إلى النظام السابق تكشفه نسبة التصويت في الانتخابات الرئاسية والتي حقق فيها الفريق أحمد شفيق أعلى نسبة أصوات في محافظة المنوفية التي ينحدر منها مبارك والعديد من الوزراء السابقين. وعن محاكمة مبارك وكيف تتابع العائلة الكبيرة محاكمة واحد من أهم أبنائها، قال الحاج جميل: ”نحن نثق في القضاء المصري فلو حكم على مبارك بالسجن أو الإعدام أو البراءة فنحن نثق في قرار المحكمة المصرية، سنحزن كثيرا لو أعدم مبارك فهذا الرجل رمز لمصر وكان له تاريخ مشرف رغم الأخطاء التي وقع فيها في السنوات الأخيرة” وأكد الحاج جميل أن عائلة مبارك في مسقط رأسه لن تتوانى لحظة في إقامة صوان عزاء كبير لو تم إعدام مبارك، كما قال: ”نحن لدينا الشرف أن يكون مبارك واحد من هذه البلدة ونرجو من المسؤولين عدم إهانة مبارك كما لا يجوز إطلاق مصطلح المخلوع عليه لأن تاريخه جزء من تاريخ مصر”، كما يسرد لنا أهالي كفر مصلحة واحد من أهم المواقف التي لاتزال عالقة في ذهنهم حينما أعلن مبارك أنه سيزور مسقط رأسه لافتتاح مركز رياضي باسمه. ويقول سكان كفر المصلحة إنهم استعدوا لأكثر من أسبوعين وزينوا الشوارع لاستقبال ابنهم، كان ذلك سنة 1992 ولكن مبارك لم يزرهم في نهاية المطاف متحججا بعدم وجود تأمينات أمنية كافية ولا يبدو أنه سيزورها حتى وهو ميت بعد أن أقام مقبرة خاصة لأفراد عائلته الصغيرة في القاهرة وأطلق عليها مقبرة عائلة مبارك رغم أن للعائلة الكبيرة مقبرة في كفر المصلحة دفن بها جد مبارك وكل الراحلين من أفراد عائلته الكبرى. كل ذلك لم يزح ملامح الاعتزاز لدى سكان كفر المصلحة بابنهم مبارك، فهم أوفياء له دائما كما كانت ملامح الحاج جميل تعكس ذلك وهو يتحدث عن ابن عمه حسني مبارك. لقمة العيش أهم من الحديث عن مصير مبارك سكان الحي الذي قضى فيه مبارك طفولته يشاركون الحاج جميل نفس المشاعر تجاه حسني مبارك، لكنهم لا ينكرون أهمية ثورة 25 يناير، كما يقول الحاج حسن، 60 سنة، وهو جار البيت القديم لمبارك: ”الثورة التي أطاحت بنظام مبارك كانت على حق ونحن نحترم الشهداء الذين سقطوا في تلك الثورة”. ساعة ونصف فقط قضيناها في قرية كفر المصلحة كانت كافية لجس نبض جيران البيت الذي ولد فيه حسني مبارك، بيت صغير يتوسط حديقة كانت تملكه شقيقة مبارك، الذين يقيمون في البيت يرفضون استقبال أي شخص خصوصا رجال الإعلام كما يؤكد لنا احد الجيران الذي حاول مساعدتنا في مهمة إقناعهم بمنحنا فرصة التعرف على البيت من الداخل ولكنهم رفضوا بشدة وأبدوا استياءهم إلى درجة أنهم كشفوا لنا بأنهم باتوا يفكرون في الرحيل من البيت بسبب كثرة الصحفيين الذين يأتون لزيارة البيت خصوصا بعد تنحي مبارك عن الحكم. نترك كفر المصلحة متجهين إلى ”شبين الكوم”المدينة التي درس فيه مبارك أولى فنون الطيران.. مدينة صغيرة تشبه مدن الوسط الجزائري؛ حيث الحقول الزراعية في تلك المدينة، الناس لا تهتم كثيرا بالسياسة ومغريات منصب رئيس الجمهورية، فكل حديثهم يدور حول ”لقمة العيش” يتكلمون عن الازدحام في الطرقات بحسرة شديدة ويتكلمون عن أزمتب المياه والسكن التي دفعت ببعض السكان في تلك المدينة إلى بناء سكنات بطرق غير شرعية لاتزال أثر تدميرها من قبل سلطات البلدية واضحة وشاهدة على تاريخ حكم مبارك الذي خرج منها في زمن ما بأحلام أكبر من أحلام سكان قريته الأصلية فنسيها ولم تنسه.