إنها الذكرى الثالثة لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. لكن لا شيء يحيل إلى هذه "الأخيرة" سوى كون هذا اليوم في تقويمه الميلادي يتقاطع مع التاريخ الاستثنائي الذي صنعه المصريون منذ أكثر من ثلاثة أعوام مضت بكل صعوباتها وعثراتها ومخاضاتها التي لم تفض إلى ما حلم به أولئك الفتية الذين خرجوا في ليل الخامس والعشرين من يناير، حاملين أكفهم على أيديهم لمواجهة إحدى أعتى الأنظمة البوليسية المزمنة في المنطقة العربية. بدت الشوارع خالية على عروشها بعد يوم دام شهدته عدة مواقع في العاصمة الجمعة الماضية، راح ضحيتها حوالي 12 شخصا وعدد آخر من الجرحى والمصابين في تفجيرات تبنتها جماعة أنصار بيت المقدس واتهمت السلطات الرسمية "جماعة الإخوان المسلمين" المحظورة بتدبيرها. وحدهم باعة الأعلام المصرية وصور وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي الذين بدوا أنهم المستفيد الأوحد من هذه المناسبة التي تذر عليهم أموالا طائلة على قاعدة "مصائب قوم عند قوم فوائد ".. عدة محاولات فاشلة مرت علينا ونحن نحاول بالكاد إيقاف سيارة أجرة تقلّنا الى ميدان التحرير بقلب العاصمة، حيث امتنع سائقو "التاكسي" القاهري - على غير العادة- من تحقيق رغبتنا ولو بمفاضلة في السعر تصل إلى ضعف المبلغ المعتاد. كان "ميدان التحرير" (مهد الثورة المصرية) هو مقصدنا للوقوف على فعاليات "الذكرى" التي أتت هذه المرة في ظروف هي الأكثر تعقيدا منذ عقود مضت، وعلى غير العادة بدت مداخل ميدان التحرير خالية من اللجان الشعبية التي كان يشكلها "الثوار" للوقوف على ترتيبات الدخول لكل الوافدين نحو "ميدان الحرية" أو "ميدان الشهداء" كما كان يطلق عليه خلال الثمانية عشر يوما من عمر الثورة الأولى، حيث استبدلت "اللجان الثورية" بوحدات الشرطة والجيش لتشرف على مهمة تفتيش الوافدين ببوابات الكترونية كتلك التي تتصدر المنشآت الرسمية، طوابير طويلة تقف عليها وحدات النظام بينما ينتظر القادمون ساعات طويلة لإتمام إجراءات الدخول. انتظرنا لأكثر من ساعة في الطوابير الطويلة رغم محاولاتنا اليائسة لتجاوز الانتظار عبر إبراز بطاقاتنا الصحفية دون جدوى. وبعد المرور على الإجراءات المشددة، تمكنا أخيرا من الدخول إلى الميدان الذي بدا أنه استبدل كثيرا من معالمه المعروفة. لم تكن الإجراءات وحدها التي اختلفت هذه المرة عن الثلاثة أعوام الماضية، حيث كل شيء بدا مختلفا في الداخل، .. لم نشهد الرموز المعروفة لثورة يناير من أولئك الفتية الصغار "منكوشي" الشعر الذين يلفون الكوفية الفلسطينية على أعناقهم .. ولا النخب السياسية التي أصبحت أيقونات لا تخطؤها أعين المتابع للحراك الثوري المصري، ولا حتى الأغاني الشهيرة للثنائي الشيخ امام وأحمد فؤاد نجم، أو تلك الحديثة التي ولدت في رحم يناير كرامي عصام وغيره من الشباب الثوري، أين استبدلت الأغاني بأخرى حديثة تنتمي لتجربة ما بعد الثلاثين من جوان/ يونيو 2013، "تسلم الأيادي" التي تمجد الجيش المصري الذي عزل الرئيس محمد مرسي ونظامه المنتمي لجماعة الاخوان وأخرى جديدة تطالب الفريق أول عبد الفتاح السيسي بالترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. الشعارات هي الأخرى لا تختلف كثيرا عن هذا المنحى، حيث بدا الشعار الأكثر ترددا في قلب الميدان هو "انزل يا سيسي أنت رئيسي" فيما انتشرت "بوسترات" في كل أنحاء الميدان الذي ظل خلال الأعوام الماضية يرفع عقيرته بشعار "يسقط يسقط حكم العسكر"! الأجواء كلها تشي بروح احتفالية عالية ومؤيدة لخطوات "خارطة الطريق" وما تبعها من تدابير، من بينها اعتبار جماعة الإخوان كجماعة "إرهابية"، بينما غابت شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية، أو حتى الشعارات المؤيدة لثورة يناير المحتفى بها -افتراضا- وذلك وسط هتافات التأييد المطلق للحاكم الفعلي، كما يراه مؤيدوه وأغلبهم من فئات اجتماعية معينة غابت لسبب ما عن ثورة يناير 2011. في الثالثة عصرا، تحركت مسيرة حاشدة لتحالف "طريق الثورة" من حي المهندسين، وهو تحالف يضم أطيافا من ائتلافات شباب الثورة من بينها "حركة شباب السادس من أبريل و«الاشتراكيون الثوريون" قاصدة الوصول إلى ميدان التحرير، وذلك لاستكمال مطالب الثورة المجهضة -حسب قولهم- إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى الميدان، حيث تم تفريقها في أعلى الجسر الرابط بين حي الدقي ووسط البلد، وذلك بعد أن أطلقت قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع، وقنابل الصوت لتتراجع المسيرة الى الخلف، قبل أن تعيد تجميع ذاتها من جديد ملتفةً بشكل فردي هذه المرة عبر وسط القاهرة بميدان طلعت حرب وتحاول مجددا الولوج للميدان إلا أن محاولتها أيضاً باءت بالفشل بعد تحالف قوات الأمن مع بعض الأهالي لتفريق المسيرة مرة أخرى، ليبقى الميدان حصرا لفئات مؤيدة للسلطة القائمة. كما وعد وزير الداخلية اللواء محمد ابراهيم منذ أيام بأن الميدان لن يستضيف سوى من وصفهم ب "المواطنين الشرفاء"!