تطوي الجزائر، بعد أيام قليلة، صفحة 2020، المثقلة بالأحداث الاستثنائية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا المستجد، وتتطلّع إلى «تعافي» سريع في من الآثار الوخيمة التي مسّت عديد القطاعات بداية من السنة المقبلة. لا يمكن وصف السنة الحالية المشارفة على الانتهاء إلاّ بسنة «الوباء» الذي بدأ في التفشي والانتشار منذ مطلع مارس ليصيب قرابة 100 ألف مواطن جزائري ب 48 ولاية. إذا كان لابد من إبراز رقم ما في سنة 2020، فهو عدد أولئك الذين هلكوا جراء إصابتهم بفيروس كورونا المستجد، وناهز عددهم في آخر حصيلة 2700 وفاة. ولكل من توفّاهم الله قصّة حزينة، فمن العزل الصحي الإجباري إلى غرف الإنعاش والمعاناة الشديدة من ضيق التنفس، إلى الدفن بطريقة غير اعتيادية يغيب فيها المعزّين وتولّت في معظم الحالات الآلات إنزال الثوابيت إلى القبور. ولن ينسى الجزائريون مثل غيرهم شعوبهم عام الجائحة القاتلة، التي فتكت بعائلات كاملة في أيام وجيزة، وفرّقت بين الأقارب، منهم من توفي في ديار الغربة، وحيدا، ومنهم من شاهد من غربته عبر وسائل الاتصال، أعز الناس إليه يموتون في أرض الوطن، دون أن يقدروا على فعل شيء. نمط حياة جديد إقرار تدابير الحجر الصحي منتصف مارس الماضي، وإغلاق عديد الأنشطة التجارية، وجد الجزائريون أنفسهم أمام نمط حياة جديد يفرض الامتناع عن المصافحة وترك مسافة أمان بمتر والالتزام بطوابير أمام المحلات لتفادي الاكتظاظ، وكل ذلك في إطار إجراءات التباعد الاجتماعي لمنع انتقال الفيروس. ولأول مرة منذ الاستقلال، ينقطع التلاميذ وطلاب الجامعات عن الدراسة لمدة ثمانية أشهر، وكذلك بالنسبة للرياضة. ولأول مرة أوصدت أبواب المساجد وعلقت صلوات الجماعة والجمعة، خلال الفترة الممتدة بين مارس وأوت ثم نوفمبر (بالنسبة لصلاة الجمعة). وفي سنة 2020، صلى الجزائريون صلاة العيدين في المنازل، وانقطعوا مجبرين عن صلاة التراويح. كما أقيمت الأفراح بأقل عدد ممكن من المدعوين، ومن غامر وأخل بالتدابير دفع الثمن غاليا، بفقدان أقرب الناس. ونظرا لانتشار الجائحة، لجأت عديد الشركات إلى العمل عن بعد كخيار حتمي، بينما أقرّت أخرى نظام المناوبة امتثالا لتخفيض 50 بالمائة من الموارد البشرية داخل مقرات العمل، وكل المؤسسات صارت ملزمة بإتباع بروتوكول صحي صارم. سنة صعبة ماليا حالة الركود الاقتصادي الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، جعلت من 2020 ذروة المتاعب المالية والاقتصادية التي تعرفها الجزائر منذ 2014،حيث تشير التقديرات الرسمية إلى انخفاض احتياطي الصرف إلى حدود 52 مليار دولا نهاية السنة بعدما كان حوالي 60 مليار دولار مطلع العام. مداخيل تصدير المحروقات هي الأخرى، سوف تتراجع بحوالي 10 مليار دولا، بحسب وزارة الطاقة التي تتوقّع 23.5 مليار دولار مع نهاية الشهر الجاري مقابل 34 مليار دولار السنة الماضية. ويشير الخبراء إلى أنّ الجزائر مازالت تستطيع تغطية 14 شهرا من استيراد حاجياتها، دون اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، وهي مدة كافية لإيجاد بدائل وحلول واستدراك النقائص. أمام توقف الحياة الاقتصادية وتعليق الأنشطة ذات الدخل المحدود، أقرّ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون جملة من التدابير لتحصين القدرة الشرائية للمواطن البسيط. ولأول مرة منذ 8 سنوات، رفعت الجزائر الحد الأدنى للأجور ب 2000 دج، ليصبح في حدود 20 ألف دج، بعدما كان 18 ألف، وألغت الحكومة بأمر من رئيس الجمهورية، الضرائب عن ذوي الدخل الضعيف الذي يقل عن 30 ألف دينار. ومع حالة الارتباك الشديد التي أصابت الشارع الجزائري مع بداية الوباء، كان يمكن للأسعار أن تبلغ مستويات قياسية، لو الإنتاج الفلاحي الوفير. وفي أواخر مارس قفز سعر البطاطا في ظرف يوميا من 50 دج إلى 90 دج ثم 120 دج، وكان مرشّحا للارتفاع أكثر لولا ضخ وزارة الفلاحة كيمات معتبرة من المخزون الاستراتيجي لتستقر الأسعار تحت 50 دج. وفي الظرف العصيب الذي مرّت به البلاد، حقّقت الفلاحة الجزائرية أرقاما غير مسبوقة، بناتج إجمالي قيمته 25 مليار دولار، ما سمح بضمان التموين واستقرار الأسعار في عز أزمة صحية فتاكة. لا سيارات جديدة على صعيد آخر، تنهي الجزائر سنة 2020، دون سيارات جديدة، فبعد تعليق الاستيراد وإلغاء النظام التفضيلي الخاص باستيراد مجموعات «سي كا دي» و»أس كا دي»، أعدّت وزارة الصناعة مرسومين تنفيذيين، خاصين بكيفيات وشروط تصنيع السيارات محليا ونشاط وكلاء المركبات. المرسومان الصادران في الجريدة الرسمية نهاية أوت، لم يترجما بعد على أرض الواقع، حيث لازالت الوزارة الوصية تتلقّى طلبات اعتماد وكلاء الاستيراد، بينما أجرت مباحثات محدود مع بعض العلامات المهتمة بإنشاء مصانع في الجزائر. وبغض النظر عن الانتقادات الموجّهة للتدابير الواردة في المرسومين، حرم الجزائريون من السيارات الجديدة بترقيم 2020، ما أدى إلى التهاب أسعار السيارات القديمة والمستعملة في الأسواق. مناطق الظل في الشق الاجتماعي دائما، كانت 2020، سنة مناطق الظل بامتياز، وهو مصطلح أطلقه الرئيس تبون على القرى والمداشر المعزولة التي تعاني التهميش وانعدام مظاهر التنمية، وأمر بعرض شريط وثائقي في اجتماع الحكومة والولاة، مطلع فيفري، أبرز حجم مرارة العيش لملايين المواطنين. وعيّن الرئيس تبون المكلف بمهمة برئاسة الجمهورية إبراهيم مراد، مكلفا بمناطق الظل، حيث تولى إجراء معاينات ميدانية وسجّل قرابة 12 ألف مشروع بقيمة 207 ملياردج لفائدة هذه المناطق أنجز منها أزيد من 5 آلاف مشروع. الجزائر الجديدة سياسيا، وبعد أزيد من عقدين، دخل الجزائر سنة 2020 بشعار «بناء الجزائر الجديدة»، تحت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي انتخب في 12 ديسمبر 2019، وبجهاز تنفيذي جديد، يقوده الوزير الأول عبد العزيز جراد، وتميّز بوجود أستاذة التعليم العالي ضمن طاقمه. وصرّح جراد في هذا الشأن، أنّ «الحكومة تضم 15 بروفيسورا جاؤوا من الجامعة لخدمة الجزائر». وحافظ رئيس الجمهورية في العام الأول على نفس الطاقم الوزاري تقريبا، واكتفى بتغيير جزئي في 23 جوان، شملت 3 قطاعات وزارية واستحدث وزارتين هما المناجم والطاقة. واعتبر الرئيس تبون أنّ شعار الجزائر الجديدة، يترجم عبر التغيير الشامل لنظام الحكم، من خلال الدستور الذي عرض للاستفتاء الشعبي في الفاتح نوفمبر الماضي. استعادة التاريخ رغم الصعوبات الاستثنائية التي عرفتها السنة الآيلة للانقضاء، سجّلت الجزائر محطات خالدة عن طريق استعادة التاريخ الوطني كاملا، فقد تمكّنت من استرجاع 24 رفات لقادة المقاومة الشعبية كانت محتجزة لأزيد من 170 سنة بمتحف باريس. وتزامن ذلك مع الذكرى المزدوجة للاستقلال والشباب في الخامس جويلية. وتنقّل آلاف الجزائريين من مختلف ولايات الوطن إلى قصر الثقافة مفدي زكرياء، للترحم على أرواح الشهداء المقاومين، قبل نقلهم في موكب جنائزي مهيب إلى مقبرة العالية لدفنهم وفق ما تقتضيه الشريعة الإسلامية. وأعطت الجزائر أبعادا جديدة للذاكرة الوطنية، مشدّدة على أن جرائم الاستعمار الفرنسي تبدأ من أول يوم دنّست أقدام أرض الآباء والأجداد سنة 1830. وأقرّ رئيس الجمهورية ال 08 ماي من كل سنة يوما وطنيا للذاكرة. رحيل المجاهدين سجّلت 2020، وفاة مجاهدين وشخصيات تقلّدت مناصب عليا في الدولة، على غرار الدبلوماسي ووزير الخارجية الأسبق محمد الصالح دمبري مطلع جانفي. وفقدت الجزائر مجاهدين من طينة عمر بوداود عضو المجلس الوطني للثورة ورئيس فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، ورئيس الحكومة الأسبق بلعيد عبد السلام، ولاعب فريق جبهة التحرير الوطني سعيد عمارة، ولخضر بورقعة، ووزير الصحة الأسبق عبد الرحمان خان المدعو سي لمين، ووزير الداخلية الأسبق نور الدين يزيد زرهوني. مرض الرئيس يسجّل مرض رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بفيروس كورونا، كأبرز أحداث السنة، حيث نقل في 28 أكتوبر إلى أحد العيادات الألمانية المتخصّصة للعلاج، وبعد إشاعات وحرب إعلامية شُنّت على الجزائريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر الرئيس تبون صوتا وصورة عبر موقع تويتر في 13 ديسمبر، مطمئنا بشأن حالته الصحية ومعلنا عودة وشيكة. زلازل..وحرائق مفتعلة استمرّت الهزات الأرضية التي بدأت أواخر العام الماضي في المناطق الشرقية، لتسجّل ولاية ميلة الهزة الأعنف الصيف الماضي، وسجلت المصالح المختصة حوالي 150 عائلة متضررة تنتظر التكفل بها. وسجّلت ولاية سكيكدة زلزالا بقوة 5.2 أواخر نوفمبر، لم يخلّف خسائر بشرية لكن تسبّب في تشققات وأضرار بعديد المباني. في سياق آخر، انتهت التحقيقات بشأن الحرائق التي ضربت 10 ولايات شمالية في وقت واحد، إلى الإطاحة بشبكة تخريبية أضرمت النيران عمدا، ما تسبّب في وفاة شخصين وخسائر معتبرة في الثورة الغابية والحيوانية. وتورط أزيد من 22 شخصا في حرائق 10 نوفمبر بمنطقة قوراية ولاية تيبازة، كان يتلقون تعليمات وأموالا من الخارج بغرض العبث بالنظام العام، ووضعوا كلهم وراء القضبان.