شنڨريحة يتلقى مكالمة من تشارلز براون    لا أنوي البقاء في السلطة بعد انتهاء عهدتي الثانية و سأحترم الدستور    إطلاق برنامج خاص لرحلات الحج لموسم 1446ه/2025م    الشعب الفلسطيني يُكنّ للجزائر محبة صادقة خاصة ومن الأعماق    خنشلة: الفرقة المتنقلة للشرطة القضائية توقيف شخص بحوزته مؤثرات عقلية    الجزائر قطعت خطوات كبيرة في مجال حماية وترقية حقوق الطفل    الاستلاب الثقافي والحضاري..!؟    السيد شايب يلتقي بوزيرة التضامن والأسرة وقضايا المرأة    طاقة ومناجم: السيد عرقاب يبحث مع وزير البيئة التشيكي سبل تعزيز التعاون    حيداوي: "ضرورة تعزيز استخدام اللغة الإنجليزية في الأوساط الشبانية"    وزير الثقافة والفنون يشرف على عرض أحسن المشاريع والأفكار السينمائية الشبابية في مجال الإبداع والاستثمار    وزير الرياضة" وليد صادي" يستقبل البطلة الأولمبية إيمان خليف ويؤكد دعمه لمسيرتها التحضيرية    الصندوق الوطني للتقاعد : دعوة إلى استخدام الخدمات الرقمية لتجديد الوثائق الثبوتية    ربط صوامع الحبوب بشبكة السكة الحديدية : انتهاء ربط 3 صوامع وبرمجة 30 صومعة إضافية    الصحة الفلسطينية: 70 شهيداً في الضفة الغربية منذ بداية 2025    قويدري يتسلم مهامه على رأس وزارة الصناعة الصيدلانية : "سنعمل على توطين صناعة الأدوية وتحقيق الأمن الصحي"    كمبوديا حريصة على توطيد تعاونها مع الجزائر على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف    قسنطينة..برمجة غرس أزيد من 100 ألف شجرة مثمرة    ورقلة: إبراز أهمية الحوكمة والشفافية بقطاع الفلاحة للوقاية من الفساد    طواف الجزائر للدراجات 2025: كل الظروف مهيأة لإنجاح الطبعة ال25    إثراء مشروعي قانوني الأحزاب السياسية والجمعيات..بوغالي يثمن مبادرة توسيع الاستشارة ويشيد بجهود الفوجين    رئيس الجمهورية في حوار مع جريدة "لوبينيون":"المناخ مع فرنسا أصبح ساما.. وماكرون ارتكب خطأ فادحًا"    النقابة الوطنية لناشري الكتب تثمن إجراءات الدعم الجديدة لصناعة الكتاب وتسويقه    كرة القدم/الرابطة الأولى "موبيليس" : اتحاد الجزائر -اتحاد خنشلة يوم الأربعاء دون جمهور    المخزن يطرد مئات المراقبين الأجانب    بداري: الجامعة رافد حقيقي    الشروع في عملية غرس 2000 شجرة زيتون بتيزي وزو    هكذا تحمي نفسك وعائلتك من الأمراض الشتوية    وزير العدل يجتمع بمجلس التوثيق    ترامب يعلن الحرب الاقتصادية على العالم!    ما هي فرص التقاء ريال مدريد وبرشلونة؟    6 ميداليات للجزائر    الإذاعة الثقافية تبلغ الثلاثين    إمام المسجد النبوي يحذّر من جعل الأولياء والصَّالحين واسطة مع اللَّه    مهما قيل فهو الانتصار    بداية دفع تكلفة الحج    غريب يستعجل معالجة الملفات الاستثمارية العالقة    رئيس الجمهورية: همنا الوحيد هو إقامة الدولة الفلسطينية    دعم فرنسا لما يسمى بخطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية "خطأ فادح"    مولاي وخوجة "حمراويان" في انتظار ضم حمرة وجوبي الغابوني    6 مشاريع جديدة لتربية المائيات بوهران    جهود لتغيير وجه المنطقة نحو الأحسن    تحديث وتحسين محطات الوقود والخدمات    وزير المجاهدين ينقل تعازي رئيس الجمهورية لعائلة الفقيد    مفارقات عبثية بين الحياة والموت    مسار وتاريخ    مدرب بوركينافاسو يشيد ب"الخضر" قبل مواجهة "الكان"    ثلاث فتيات ضمن عصابة مهلوسات    النمط المعيشي في قفص الاتهام    دعوة إلى سياسة جنائية وطنية للحد من جرائم القتل    توقع إيرادات تفوق 600 مليار سنتيم خلال 2025 : لترشيد النفقات.. الفاف يطلق مشروعًا جديدًا    انطلاق التربص التكويني لفائدة اطارات وزارة العلاقات مع البرلمان    انطلاق عملية دفع تكلفة الحج لموسم 2025 عبر كافة ولايات الوطن    سايحي يلتقي نقابة الممارسين الأخصائيين    هذه صفات عباد الرحمن..    هذا موعد ترقّب هلال رمضان    أدعية شهر شعبان المأثورة    الاجتهاد في شعبان.. سبيل الفوز في رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما لا يقال: ما لم يقله بلعيد عبد السلام في مذكراته
نشر في الشروق اليومي يوم 12 - 08 - 2007


عبد العالي رزاقي
وفرت المذكرات التي كتبت خلال ال 40 سنة الأخيرة مادة خصبة لدراسة تاريخ الجزائر السياسي والعسكري والديني والثقافي، بالرغم من قلتها، وفقدان الكثير منها لسمة »المذكرات الشخصية« فبفضل مذكرات الشيخ خير الدين، أحمد توفيق المدني، أحمد طالب الإبراهيمي، محمد الصالح‮ صديق‮ وغيرهم‮ اكتشفنا‮ دور‮ جمعية‮ العلماء‮ المسلمين‮ في‮ الحفاظ‮ على الشخصية‮ الوطنية‮.‬
وبفضل‮ مذكرات‮ مصالي‮ الحاج،‮ فرحات‮ عباس،‮ أحمد‮ بن‮ بلة،‮ علي‮ كافي،‮ حسين‮ آيت‮ أحمد‮ وغيرهم‮ لمسنا‮ مختلف‮ التصورات‮ للعمل‮ السياسي‮ والحزبي‮ في‮ مسيرة‮ الحركة‮ الوطنية‮ والثورة‮ الجزائرية‮.‬ وبفضل‮ الأخضر‮ بورقعة،‮ أحمد‮ علي مهساس،‮ علي هارون،‮ عيسى كشيدة،‮ عبد‮ الرزاق‮ بوحارة،‮ مصطفى‮ مراردة،‮ محمد‮ بن‮ يحيى،‮ سعدي‮ ياسف،‮ ويوسفي‮ وغيرهم‮ أدركنا‮ بعض‮ الحقائق‮ المرتبطة‮ بعلاقة‮ الثورة‮ بأبطالها‮.‬ وبفضل‮ محمد‮ الميلي،‮ الطاهر‮ وطار،‮ محمد‮ مهري،‮ أحسن‮ بن‮ بلقاسم‮ كافي،‮ محيي‮ الدين‮ عميمور،‮ عبد‮ الحفيظ‮ أمقران‮ وغيرهم‮ وضعنا‮ أصابعنا‮ على بعض‮ مآسي‮ الثقافة‮ في‮ الجزائر،‮ والتعامل‮ مع‮ المثقفين‮.‬ وبفضل محمد حربي، خالد نزار، بلعيد عبد السلام وغيرهم تبينت لنا حقائق جديدة، وبفضل سعد دحلب، بن يوسف بن خدة، رضا مالك وغيرهم عرفنا حقائق أخرى عن سير المفاوضات بين الثورة وفرنسا وخلفيات »اتفاقيات إيفيان« وربما سنكشف حقائق جديدة عن الثورة ونظام الحكم في الجزائر، في حال نشر مذكرات العقيد عبد الله بن طوبال التي منعت في عهد الشاذلي بن جديد، ومذكرات العقيد الطاهر الزبيري التي وصلت إلى الاكتمال، ومذكرات الشيخ عبد القادر بوخمخم الموجودة في المطبعة، ومذكرات الرئيس الشاذلي بن جديد التي تطبخ حاليا على نار هادئة. ويعلق المرحوم محمد بوضياف في رسالة له من القنيطرة إلى المناضل عيسى كشيدة بتاريخ 14 أكتوبر 1990 قائلا: »إن كل واحد، بعد الاستقلال، صار يرى نفسه صاحب الحقيقة التاريخية، بينما في الحقيقة لم يمثل بعضهم أي دور، هذه هي الحقيقة«‮.‬
مجموعة‮ خالد‮ ومجموعة‮ آيت‮ أحمد
كانت الذكرى ال 40 لعيد استرجاع الاستقلال مناسبة مهمة للغرفة السابعة عشرة لمحكمة الجنح بباريس لتسجيل شهادات أمام القضاء الفرنسي حول الثورة الجزائرية والصراع حول الحكم وما حدث في العشرية الدموية (1992 - 2002) ومثل أمام العدالة الفرنسية مجموعة خالد نزار (رضا مالك، سيد أحمد غزالي، علي هارون، ليلى عسلاوي، السيدة بن حبيلس، رشيد بوجدرة، محمد رزاق بارة، أحمد جبار، عمار لونيس، مولود بن محمد وغيرهم) مقابل مجموعة آيت أحمد (محمد حربي، سمراوي، عمر بندرة، حبيب سعيدية وغيرهم). وما‮ استطاعت‮ فرنسا‮ الحصول‮ عليه‮ من‮ شفاه‮ رجال‮ الثورة‮ وعملاء‮ فرنسا،‮ خلال‮ هذه‮ المحاكمة،‮ أكثر‮ مما‮ حصلت‮ عليه‮ خلال‮ الثورة‮ أو‮ الاستقلال‮ أو‮ عبر‮ الطابور‮ الخامس‮.‬ خالد حاقد على آيت أحمد لأنه رفض تزكية الانقلاب على الحكومة المؤقتة عام 1962 أثناء وجوده في سجن »لاصانتي« مع أحمد بن بلة، محمد بوضياف وخيضر، لأنه رفض أن يكون رئيسا بعد توقيف المسار الانتخابي في 11 جانفي 1992، ولأنه تحالف مع جبهة التحرير في 16 جوان 1965 للخروج‮ من‮ الحزب‮ الوحيد،‮ وكذلك‮ بعد‮ تشريعيات‮ 26‮ ديسمبر‮ 1992‮ مع‮ الجبهتين‮: التحرير‮ والإنقاذ‮.‬ يقول الجنرال خالد نزار عن آيت أحمد بالحرف الواحد: »إن معارضته تشكل حالة جديرة بأن يجري تدريسها، فهو يعاني من حالة مرضية نفسية معقدة« ويذهب إلى اتهامه بأنه »أول من أسال نهر الدماء« أما مناضلو »الإنقاذ« التي تحالف معها فيسميهم ب »مجانين الله«. ويعترف للفرنسيين‮ قائلا‮: »‬نحن‮ الجيش‮ الوطني‮ الشعبي،‮ ومجموع‮ ذلك‮ الجزء‮ من‮ السكان،‮ قد‮ أقدمنا‮ على‮ وقف‮ المسار‮ الانتخابي‮« ويزعم‮ أن‮ »‬استقالة‮ الشاذلي‮ بن‮ جديد‮ قد‮ كتبها‮ الجنرال‮ محمد‮ تواتي‮ وعلي‮ هارون‮«.‬ وبالمقابل يعتقد آيت أحمد أن »الرئيس في الجزائر هو رئيس النخبة المهمة لكي يضمن التوازن في تقدم الكوادر في الجيش والإدارة« والجنرال خالد نزار حين يقدم نفسه للمحكمة الفرنسية يتجاهل فترة وجوده في الجيش الفرنسي قبل عام 1958 ويقول الجنرال خالد نزار بأنه كان أميا، ويضيف »نعم لقد كان هناك عندنا جنرالات أميون« ويؤكد بأن »رئيس دولة سابقا صار فيما بعد شريكا في اتفاق روما أنحى علي باللائمة قائلا: أنت لن ترحل وتترك الحكم لهذه البهيمة النجسة.. ولا أعتقد أن الرئيس السابق أحمد بن بلة كان يكره الإسلاميين‮ وهو‮ الذي‮ كان‮ يدعمهم‮ من‮ عمر‮ عبد‮ الرحمن‮ إلى عباسي‮ مدني‮«.‬ أما اعترافات »أبو فراشة« سيد أحمد غزالي، فتكشف عن تناقضات عجيبة فهو يقول عن رئيسه الشاذلي بن جديد" كان يخيل لي، في آخر 1988، لكثرة ما كنت أتردد عليه، أنني أمام رئيس مستقيل معنويا، هذا تقدير شخصي". أيعقل‮ أن‮ الشاذلي‮ الذي‮ أعاد‮ الجنرالات‮ إلى الثكنات‮ وكان‮ وراء‮ قمة‮ زرالدة‮ لقادة‮ المغربي‮ ودعم‮ قيام‮ الدولة‮ الفلسطينية‮ في‮ الجزائر‮ كان‮ مستقيلا‮ معنويا؟‮!‬ لماذا‮ لم‮ يتحدث‮ غزالي‮ عن‮ بقائه‮ في‮ باريس‮ سفيرا‮ للجزائر‮ مدة‮ ستة‮ أشهر‮ دون‮ اعتماد،‮ وهو‮ رئيس‮ حكومة‮ سابق؟‮ مشكلة مجموعة خالد نزار أنها كانت تحقد على كل من يريد »بناء الدولة الوطنية« وكل من يكتب ويفكر، فحين كتب محمد حربي، وهو من كبار المؤرخين الجزائريين، يلخص أفكاره إزاء »الطابور الخامس« معتبرا »المسار التاريخي الجزائري مسارا أدى إلى نشوء دولة الجيش، جيش لديه دولة في خدمته، وليس جيشا في خدمة الدولة« قال عنه أمثال الجنرال خالد بأنه »عاش على الدوام على أطراف الثورة« بهدف نزع صفة المؤرخ والمفكر منه أو كان المطلوب من المفكر أو المؤرخ أن يكون من رموز الثورة أو داخلها.
ما‮ لم‮ يقله‮ عبد‮ السلام‮ بلعيد‮ للرأي‮ العام
وحين قرأت مذكرات بلعيد عبد السلام تساءلت: هل يحق لمناضل سابق في حزب الشعب أن يشارك في توقيف مسار انتخابي بدعم مجموعة خالد نزار؟ وبالرغم من أنه من اللجنة المركزية لحزب الشعب سابقا وساعده عبان رمضان وعبد الحميد مهري على الهروب من براثن عبد الحفيظ بوصوف بعد رفض التدريس مع خليفة لعروسي، فإنه لا يُعَرّج على هذه الفترة، وهو يذكرني بمجموع الطلبة الذين التحقوا بالثورة يوم 19 ماي 1956، ولم يلتحق بالجيل إلا ثلاثة منهم وهم علاوة بن بعطوش، الأمين خان، والطيب فرحات، وكنت أتمنى لو أن واحدا منهم تحدث بصراحة عن ذلك. وأتساءل‮ هل‮ ما‮ ورد‮ في‮ مذكرات‮ بلعيد‮ عبد‮ السلام‮ يستند‮ إلى الحقائق‮ أم‮ مجرد‮ »‬ذر‮ الرماد‮ في‮ العيون‮« أو‮ لجلب‮ الانتباه‮ إليه‮ أو‮ لغرض‮ آخر؟ لست أدافع عن الجنرالين خالد نزار أو تواتي أو غيرهما ولكنني تقصيت الحقائق بحكم أنني خلال تلك الفترة كنت صحفيا في إحدى الصحف الدولية الكبرى، وتابعت الأحداث عن قرب وتمكنت من الاطلاع على بعض الوثائق.
أول‮ وزير‮ يرفض‮ رئاسة‮ الحكومة
حين قدم سيد أحمد غزالي استقالة حكومته بعد تسلم الرئيس كافي رئاسة المجلس الأعلى للدولة، كان أول شخصية يدعوها لرئاسة الحكومة هو وزير النفط السابق الصادق بوسنة الذي كان أستاذا يومئذ بإحدى الجامعات الفرنسية، ويقول مقربون من الرئاسة بأن عشاء أقامه الرئيس علي كافي‮ لأبو‮ سنة،‮ بعد‮ أن‮ وافق‮ الجنرال‮ خالد‮ نزار‮ على اقتراحه‮ رئيس‮ حكومة‮ باعتبار‮ أنه‮ يملك‮ صفات‮ المواطن‮ الصالح،‮ فاعتذر‮ الصادق‮ لكافي‮ بحجة‮ أن‮ له‮ عقدا‮ مع‮ الجامعة‮ الفرنسية‮ وعليه‮ احترامه‮.‬ لكن الحقيقة التي ربما كانت وراء رفض المنصب هو أنه غادر الحكومة ب »استياء« وصفته لي بعض الدوائر السياسية ب »الإهانة« لشخصية الأستاذ، وأعتقد أن »الورطة« التي وقع فيها من أوقفوا المسار الانتخابي في 11 جانفي 1992 هي أنهم لم يضعوا »البدائل« أو »سيناريو« من يحكم‮ في‮ حال‮ حدوث‮ مكروه‮ أو‮ هزة‮ سياسية‮.‬ عندئذ بدأت مجموعة خالد نزار وهي تتحسس المواقع ك »عصا الأعمى« التفكير في البديل وكان من اقتراح الجنرال خالد وهو بلعيد عبد السلام لأنه »مناضل ملتزم« وأحد الوجوه البارزة في العهد البومديني ولم يعترض أحد من أعضاء المجلس للدولة على ترشيح خالد نزار له لرئاسة الحكومة‮.‬ ومازلت‮ أذكر‮ كيف‮ تم‮ تسريب‮ خبر‮ اللقاء‮ الأول‮ بين‮ الرئيس‮ علي‮ كافي‮ ووزير‮ دفاعه‮ خالد‮ نزار‮ وبين‮ بلعيد‮ عبد‮ السلام‮.‬ والمفارقة العجيبة أن المجلس الأعلى للدولة كانت اجتماعاته في عهد بوضياف لا تسجل في المحاضر بينما صار الاجتماع في عهد كافي يسجل في المحاضر وربما يأتي يوم وينشر محضر الاجتمع الثلاثي، واستغرب لماذا لم ينشره بلعيد في مذكراته؟!. ولم يطلب بعليد عبد السلام مهلة للتفكير‮ وإنما‮ أعلن‮ موافقته‮ على تقلد‮ رئاسة‮ الحكومة‮ دون‮ تقديم‮ أي‮ شرط‮.‬
وزير‮ لم‮ يستوزر
قصة تشكيل حكومة بلعيد عبد السلام لا تحتاج إلى توضيح، فالجهات التي تعين الوزراء معروفة وقد سربت للصحافة آنذاك معلومات تفيد أن الرئيس كافي قد استدعى سفيره في واشنطن نور الدين زرهوني، وأنه اقترح عليه وزارة الداخلية، ولكن زرهوني رفض لأنه كان يتابع »علاجا صحيا«‮ حسب‮ المقربين‮ منه‮ آنذاك‮. والمفارقة‮ الأخرى هي‮ أن‮ الرئيس‮ علي‮ كافي‮ قام‮ باستدعاء‮ الجنرال‮ اليامين‮ زروال‮ وكلفه‮ بوزارة‮ الداخلية،‮ واستقبله‮ الجنرال‮ خالد‮ نزار‮ وأكد‮ له‮ ذلك‮.‬ وهذه المعلومة سربتها جهات نافذة آنذاك للصحافة الدولية، لكن قبل عودة الجنرال زروال من باتنة إلى العاصمة مع عائلته فوجئ الرئيس كافي وبلعيد عبد السلام ب (محمد حردي) وزيرا للداخلية، فلماذا لم يحدثنا بلعيد عن الجهة التي عينت الوزراء.
اقتصاد‮ حرب‮ أم‮ وزير‮ اقتصاد؟
الاعتقاد‮ السائد‮ عندي‮ أن‮ بلعيد‮ عبد‮ السلام‮ لم‮ يوفق‮ في إعداد‮ برنامج‮ حكومة.‬‮ وإنما‮ كانت‮ له‮ أفكار‮ »‬متجاوزة‮« يكفي‮ أنه‮ رتب‮ جلسة‮ مع‮ رئيسه‮ كل‮ سبت‮ ليشكو‮ له‮ ما‮ يعانيه‮ من‮ مشاكل.‬ كانت أول مشكلة هي أن بلعيد »هرب« من المشكلة الحقيقية للجزائر وهي سياسة، إلى الاقتصاد فطرح ما يسمى ب »اقتصاد الحرب« حتى يضيق الخناق على المواطنين... وأول معركة فشل في إدارتها كانت مع المقاول يسعد ربراب الذي يكون قد تحصل على قرض بمبلغ 114 مليون دولار، وأن بلعيد يريد استرجاعه في إطار »التقشف« وابتعاد بلعيد عن المشكلة الحقيقية وهي »الوضع السياسي المتوتر« واعتبار نفسه خبيرا اقتصاديا، بحيث رفض تعيين وزيرا للاقتصاد، بل رفض حتى الحديث مع المستشار الاقتصادي للمجلس الأعلى للدولة عبد المجيد بوزيدي، جعلته لا يوفق في تسيير‮ الحكومة.‬ وبداية‮ الصدام‮ مع‮ المجلس‮ الأعلى‮ للدولة‮ جاءت‮ بعد‮ أن‮ بدأ‮ يتناقض‮ في‮ تصريحاته‮ وتصريحات‮ وزارته‮ مع‮ تصريحات‮ أعضاء‮ المجلس‮ الأعلى‮ للدولة.‬ وحتى‮ الوفود‮ التي‮ بعث‮ بها‮ إلى‮ أوروبا‮ وأمريكا‮ لم‮ يقدم‮ تقاريرها‮ للمجلس‮ الأعلى‮ للدولة.‬ وكانت لمجلس الدولة مشاريع منها مشروع (الجزائر عام 2005) الذي أدى إلى اغتيال الأستاذ جيلالي اليابس، والأستاذ بوخبزة، بسبب ما يحمله من أفكار لإخراج البلاد من الأزمة. وقد اطلقت شخصيا على ملخص له يومئذ، ولكن بلعيد تجاهلها.
عينه‮ خالد‮ وأقاله‮ كافي
تجاوزات بلعيد عبد السلام لمجلس الدولة وصلت ذروتها حين صرح بأن »الجيش هو الذي عينه وليس الرئيس كافي« والمفاجأة هي أن كافي كان في زيارة رسمية إلى مصر، وقد أثار هذا التصريح »غضب الرئيس كافي« فيقال إنه طلب من الجنرال خالد نزار أن يكون وحده في استقباله أثناء عودته‮ من‮ مصر‮ لأنه‮ لا‮ يريد‮ أن‮ يلتقي‮ بلعيد‮ عبد‮ السلام.‬ ومجرد أن دخل إلى الجزائر بدأت إجراءات الإقالة حيث أبلغني أحد أعضاء المجلس الأعلى للدولة آنذاك بأن الرئيس كافي طلب من الجنرال خالد نزار الاستغناء عن خدمات بلعيد، ولم يعقد معه اجتماعات السبت أو اجتماع مجلس الوزراء لغاية استدعاته لتبليغه ب (الإقالة).
الحكم‮ من‮ داخل‮ المجلس
أعادت الاقالة بلعيد عبد السلام إلى »حجمه الطبيعي« فالموعود بالرئاسة صار مجرد »رئيس حكومة سابق« وتفاديا لازدواجية الخطاب السياسي بين الحكومة وأعضاء المجلس الأعلى للدولة تم تعيين أحد أعضائه رئيس حكومة وهو رضا مالك. المؤكد أن الذين تداولت أسماؤهم بين أعضاء المجلس لرئاسته هم الدكتور أحمد طالب الابراهيمي ورضا مالك أما البقية فكانت تجري بين خالد نزار والآخرين ولا يُبلّغ بها إلا المقربين منه، ومنها اقتراح حسين آيت أحمد رئيسا للدولة. وقد رفض ذلك علنا، ويبدو لي أن الضغوط على‮ الجنرال‮ خالد‮ نزالر‮ جعلته‮ يكفر‮ عن‮ دنبه‮ بتعيين‮ الجنرال‮ اليامين‮ زروال‮ وزيرا‮ للدفاع‮ حتى‮ يسترجع‮ ثقة‮ رئيسه‮ فيه.‬ ويبدو‮ لي‮ أن‮ الجنرال‮ خالد‮ نزار‮ الذي‮ التقى‮ السفير‮ الفرنسي‮ في‮ السفارة‮ الفرنسية‮ قد‮ استفاد‮ من‮ »‬تعصب‮ الفرنسيين‮« لمصالحهم،‮ ويبدو‮ أن‮ علي‮ كافي‮ وجد‮ له‮ نصيرا‮ في‮ وزارة‮ الدفاع‮ ممثلا‮ في‮ اليامين‮ زروال‮ لكن‮ تجري‮ الرياح‮ بما‮ لا‮ تشتهي‮ السفن.‬
أول‮ اجتماع‮ للمصالحة‮ "‬تقتله" لجنة‮ الحوار‮!‬
كان‮ للمجلس‮ الأعلى‮ للدولة‮ »‬مشروعه‮ الوطني‮« ففي‮ صائفة‮ 1993‮ بعد‮ إقالة‮ بلعيد‮ عبد‮ السلام،‮ اجتمع‮ الرئيس‮ علي‮ كافي‮ بقادة‮ من‮ الجيش‮ وهم‮:‬ "خالد نزار، اليامين زروال، محمد العماري، توفيق مدين، عباس غزيل، الطيب الدراجي، عبد الحميد تاغيت ومحمد تواتي وآخرون" لدراسة مشروع »مصالحة وطنية« في شكل اتصال أولي مع قياديين من الإنفاذ وهما عباسي مدني وعلى بن حاج وتشير التقارير المسربة حول الاجتماع آنذاك، بأن قيادة‮ الجيش‮ طرحت‮ إسم أحد‮ الجنرالات للقيام‮ بهذا‮ الاتصال‮ بينما‮ اقترح‮ الرئيس‮ كافي‮ بأن‮ يكون‮ اليامين‮ زروال‮ هو‮ المكلف‮ بالمهمة.‬ اتفاق الجنرالات على اقتراح الرئيس كافي بأن يكون وزير دفاعه هو المكلف بالمهمة جعلته يلتقي عبد الحميد مهري بطلب منه ويقترح مشروعه على المجلس الأعلى للدولة ويأخذ الموافقة ويجتمع للمرة الثانية بعبد الحميد مهري بحضور الجنرال خالد نزار. وكان اللقاء في نظر المراقبين آنذاك تتويجا لمشروع منظمة المجاهدين في المصالحة بين أبنائها، لكن المفاجأة هي ظهور لجنة الحوار الوطني، وفيها ثلاثة جنرالات وهم محمد تواتي، عبد الحميد تاغيت والطيب الدراجي، بحجة أن حسين آيت أحمد كان يطلب ضمانات من الجيش في أن حوار‮ يجري‮ أفشل‮ الحوار،‮ والحق‮ يقال‮: إن‮ هذه‮ اللجنة‮ دفنت‮ الحوار‮ مثلما‮ دفنت‮ تصريحات‮ بلعيد‮ عبد‮ السلام‮ تطلعاته‮ لقصر‮ المرادية‮.‬ ولا أعرف الأسباب التي دفعت بلعيد عبد السلام إلى »التستر« على مشاريع المجلس الأعلى للدولة، ولا أعرف كيف اختصر الأزمة السياسية في الاقتصاد، لكن ما أعرفه أنه وقع في المحظور الذي وقع فيه المرحوم محمد بوضياف الذي أنشأ جبهة التحرير خلال الثورة وعندما صار رئيسا تقدم‮ ب‮ ملف‮ إحالتها‮ على الأرشيف‮.‬ والفرق هو أن بلعيد عبد السلام المداوم على اجتماعات حيدرة لقسمة جبهة التحرير حين قدم »مشروع حجز 92 مليارا« التي كانت في ميزانية حزب جبهة التحرير وجد من يرفض مشروعه داخل المجلس، فلماذا أخفى مثل هذه الحقائق على قرائه أم أنها مثل بقية المعلومات التي تستر عنها في‮ مذكراته؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.