من الضروري فهم رسالة المحتجين في تمنراست عن "حكاية" الغاز الصخري جيّدا، بعيدا عن أيّ تحليل خاطئ أو فلسفة مجنونة، وبعيدا عن إخفاء الشمس بالغربال، أو ممارسة رياضة البيلياردو في البحث عن الحلول الملائمة، دون محاولة تسكين أوجاع "السرطان" بالأسبيرين! قبل أن تقع الفأس على الرأس، الحكومة مطالبة بالجلوس مع مستشاريها لمواجهة "ريح الجنوب" بكلّ رويّة وتبصّر وحكمة وعقل.. فما يحدث بتمنراست ليس هو البداية، فقد عرفت ورڤلة وتڤرت والوادي وغرداية، وغيرها، أحداثا خطيرة ومؤسفة، ربما تمّ معالجة آهاتها بحبوب الإيبسا! كان بإمكان الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، إثارة شهية الأغلبية القاطنة بالشمال، ل "الهجرة" نحو الجنوب، إمّا للعمل أو الإقامة أو على الأقل السياحة، لكن الذي حصل، أن العشوائية حرّضت حتى المواطنين القاطنين بالصحراء على "الفرار" نحو الشمال! المصيبة، أن الذين نزلوا من الشمال إلى الجنوب، "استحوذوا" في الكثير من الحالات، على مناصب الشغل و"الامتيازات" التي كان من المفروض أن توزع توزيعا عادلا على سكان الجنوب! من الطبيعي أن يشعر أهلنا في الجنوب بالتهميش والإقصاء و"الحقرة" والتمييز والمفاضلة، نتيجة فوضوية التسيير، من طرف الحكومات التي خدعها ولاتها بتقارير مغلوطة، ونصب عليها رؤساء الدوائر والأميار وتورّط معها أحيانا "نواب الشعب"! كانت أمام الجميع فرصة ذهبية، وأعتقد أنها مازالت، من أجل تحقيق "التوازن الجهوي" ولامركزية التشغيل والسكن والاستثمار والتنمية.. فما المانع من تحويل صحرائنا الواسعة والطيبة إلى "كاليفورنيا" الجزائر، أو "دبيّ" الجزائر، وهي التي تنام على طاقات لا تُنهيها إلاّ إرادة الله ومعجزته؟ إن اختزال الجنوب في سوناطراك، واختصار "قوّة" الجزائر المالية والاقتصادية في "البقرة الحلوب"، ونظر الحكومات إلى هذه المنطقة الوطنية المقاومة والواقفة في وجه كل التغيرات والمخاطر والرهانات، النظر إليها ك "مغارة" لجمع الغنائم والكنوز فقط، هو الذي حوّلها إلى "برميل بارود" قابل للانفجار غضبا واحتجاجا في أيّ لحظة!
على أصحاب الحلّ والربط، وعلى الطبقة السياسية: سلطة ومعارضة وحكومة وبرلمانا وأحزابا، أن تتحرّك إن آجلا أو عاجلا، بحلول مرضية تنهي تراجيديا "التصدير" الفوضوي للأيادي العاملة من الشمال إلى الجنوب، وتردّ الاعتبار للصحراء وأبنائها وتستغلّ ثرواتها في تشييد وتطوير هذا "الجزء المنسي" من جسم الجزائر!