«إنّ الكتابة سيّئة بحكم الضّرورة؛ لأنّها خارجة عن إطار الذاكرة؛ ولأنّها لا تنتج المعرفة، ولكنّها تنتج الرّأي؛ كما أنّها لا تنتج الحقيقة، ولكن المظهر». (أفلاطون) ليستِ الكتابة، كما يذهب إلى ذلك النّاقد الفرنسيّ هيجونيت، إلاّ حاجزاً بين عهدين اِثنين مختلفين اختلافاً بعيداً؛ فأمّا أحدُهما فهو عهد الشِّفاهيّات؛ وأمّا الآخر فهو عهد المكتوبات. وكأنّ العهد الأوّل لا يعني إلاّ الأمّيّة والظّلام، على حين أنّ العهد الآخر إنّما يعني التّطوّر والمعرفة الرّاقية والنّور، أي الحضارة بكلّ ما فيها من معاني الرّقيّ والجمال. فهل هناك عهد آخرُ يكون حاجزاً بينهما، مستغنياً عنهما معاً، فيما سيُستقبَل من الزّمن؟ اللّهمّ إلاّ أن يكون عهد ما بعد الكتابة... وهل يمكن تصوّرُ عالَمٍ راقٍ خارج إطار الكتابة بمفهومها العامّ؟ وعلى أنّنا نتناول هذه الفكرة، في هذه المقالة القصيرة، من موقف فلسفيّ، لا من موقف نقديّ محض؛ وذلك على الرّغم من أنّ هذه المسألة، في حقيقتها، يجب أن تكون أدبيّة خالصة؛ لأنّ اللّغة من حيث هي، ومن حيث يجب أن تكون، هي من قبيل التّعبير؛ وإذا كان التّعبير جميلاً ناضراً، وقشيباً راقياً؛ فلن يكون إلاّ من قبيل الأدب. وليست الكتابة –كما تجسّدها مقولة أفلاطون التي اتّخذنا منها افتتاحيّة لهذه المقالة_ التي كان يقصد إليها الفيلسوف المثاليّ، وكان أستاذه سقراط قبله نعَى، هو أيضاً، على الكتابة بعض ما كان نعاها عليه، ووصَمَها به تلميذه أفلاطون: إلاّ أدبيّةً. وتَدين الفلسفةُ الكتابةَ ليس من أجل غايات أخلاقيّة، أو مادّيّة، أو اجتماعيّة؛ ولكن لأنّ الكتابة، فيما تزعم هذه الفلسفة، مُؤْذيَة؛ وهي مؤذية لأنّها تجسّد ضعفاً مركزيّاً يمثُل في لاَ استقرارَ في معانيها. ويبدو أنّ الفلسفة تريد من وراء اتّهام الكتابة الأدبيّة بما تستميز به من تغيّر المعاني و تعدّد الدّلالات التي تحملها: إلى الانزياحات التي تتولّد عن اصطناع اللّغة الشّعريّة خصوصاً في النّسج الأدبيّ. ذلك بأنّ الفلسفة المثاليّة خصوصاً ترى أنّ الحقيقة تَتِيه في مجاهل الاستعارات والكنايات والمجازات فلا يهتدي إليها أحدٌ من المتلقّين؛ وكان أولى أن يقع البحث عن لغة تجسّد الكلمة الوحيدةَ الدّلالةِ؛ فيستريح النّاس من كلّ هذا البلاء العظيم! ولكن أين المتعةُ خارج هذه الانزياحات التي تُحيل على ألْف معنىً، وتُعطيك ألف قراءةٍ؛ بحيث يمكن لكلّ قارئ أن يفهم الكتابة الأدبيّة على نحو قد لا يفهمها عليه غيره: فيتعدّد الفهم والنّصّ واحد، ويتجدّد العطاء والمصدر هو، هو. ويرى جاك دريدا الذي يعارض آراء الفلاسفة الذين يذهبون هذا المذهب الغريب حول هذه المسألة (وقد كان فريدينان دو صوسير مالأَهم على ذلك فيما ينسب إليه في كتابه «محاضرات في اللّسانيّات») أنّهم كثيراً ما يحرصون على أن يكون لهذه الكلمةِ -وربما يكون ذلك منهم عن غير وعْيٍ، وعلى الرّغم من ممارساتهم الأدبيّة- حضورٌ للمعنى الممكنِ تأويلُه بيُسر ووضوح؛ ذلك بأنّ الكتابة لديهم تظلّ في محلّ الاِتّهام لأنّها لا يمكن أن تؤوَّل، أو قل لأنّهم لا يستطيعون تأويلها على الطّريقة الأدبيّة الانزياحيّة؛ ولذلك يُؤْثِرون أن يتعاملوا مع اللّغة الشّفاهيّة ظانِّينَ أنّها وحيدة المعنى. ثمّ ما معنى الاعتراف باللّغة الشّفاهيّة على أنّها قادرة على احتمال الحقيقة، وإنكار لغة الكتابة على أنّها غيرُ قادرة على ذلك بحكم انزياحاتها واستعاراتها ومجازاتها؟ وكيف يكون الأصل صالحاً، والفرع فاسداً؟ ولمَ لا يكون الفرع امتداداً لأصله، وجزءاً من نفسه؟ وما بال اتّهام الكتابة بأنّها لا تعدو كونَها مخدِّراً؛ ونفعُها لا ينبغي له أن يجاوز نفع المخدّر المحدود الذي قد ينفع في لحظة معيّنة لينقلب من بعد ذلك إلى أضرار وأخطار؟ إنّنا، وكما يذهب إلى ذلك روا هاريس، في كتابه «سِيمَائِيّة الكتابة»، نعيش حقّاً في عصور الحضارات المكتوبة؛ ولكنّ ذلك لا ينبغي له أن يحُول بيننا وبين التّعامل مع ما يسمّيه رولان بارط «امبراطوريّة السِّمات». فالسّمة لغة دالّة على ما تدلّ عليه لغة الكتابة. بل ربما تكون السّمة الطّبيعيّة والاِصطناعيّة معاً أبلغَ بكثير من السّمة اللّفظيّة التي كثيراً ما تكون قاصرة؛ غير أنّ ذلك كلّه ما كان له ليَحملنا على نبْذ الكتابة ولغتها الرّاقية، والاِستنامة إلى التّعامل مع اللّغة الشّفاهيّة القاصرة التي قد لا تعدو أنّها تجسّد جملة من السّمات إن كان اصطناعها مفيداً، وحتّى جميلاً في مواقعَ من الكلام؛ فإنّه لا ينبغي له أن يحلّ محلّ الكتابة التي إن كانت عاجزةً عن احتمال الحقيقة المزعومة؛ فإنّ اللّغة الشّفاهيّة والمتصرَّفاتِ منها، والمتفرِّعات عنها: لَهِيَ أعجز عجْزاً، وأقصر قُصوراً. ذلك بأنّ اللّغة الشّفاهيّة بكلّ مظاهرها ليست، في مُبتَدإ الأمر ومُنتهاه، إلاّ أصلاً لهذه الكتابة. ملاحظة: لهذه المقالة مراجع لم نذكرها.