في ظلّ الحاجة الملحّة لتوفير وجبات إفطارٍ خلال شهر رمضان، انطلقت مبادرة "مطعم الرحمة" ببلدية الحمامات، الجزائر العاصمة، لسدّ فراغ كبير في دعم الفئات الهشّة. وفي حوار خاص لجريدة الحياة العربية، مع رئيس الاتحاد الوطني للمجتمع المدني وترقية المواطنة لمكتب الحمامات، كشف لنا مالكي معمر، عن تفاصيل هذه المبادرة الإنسانية، وأهدافها، والتحديات التي تواجهها، .بالإضافة إلى طموحاتها المستقبلية. أوضح مالكي معمر، أن مبادرة "مطعم الرحمة" أطلقت استجابةً للحاجة الملحّة لتوفير وجبات الإفطار للمحتاجين، في المنطقة الممتدة من بلدية باب الواد إلى بلدية عين البنيان، حيث لا توجد مبادرات كافية تلبي احتياجات الصائمين، المساكين، عابري السبيل، والمحتاجين. وقال مالكي، أنه منذ انطلاق المبادرة الأولى، أدركنا وجود عدد كبير من الأشخاص المحتاجين، بمن فيهم العمال الذين يعيشون بعيدًا عن عائلاتهم، ولا يجدون من يطهو لهم بعد يوم شاق من العمل. ومع مرور الوقت، تطورت المبادرة لتشمل تقديم وجبات متكاملة ومتنوعة، بحيث لا تقتصر على مجرد توفير الطعام، بل تسعى إلى تقديم إفطار متوازن ومغذٍ يشبه الوجبات المنزلية. وما يميز المبادرة اليوم، تنويع الوجبات لتشمل الشوربة، البوراك، السلطة، والطبق الرئيسي، مما يضفي طابعًا أسريًا دافئًا على الإفطار. أكثر من 250 مستفيدًا يوميًا.. ووجبات خاصّة لمرضى السرطان كشف معمر، أن المبادرة تقدم يوميا وجبات الإفطار لحوالي 250 شخصًا في مكان الإفطار، بالإضافة إلى 50 شخصًا آخر يحصلون على وجبات معلبة. حرصنا-يضيف مالكي- بشكل خاص على دعم النساء المريضات بالسرطان اللواتي يخضعن للعلاج الكيميائي، حيث يجدن صعوبة في الطبخ وتحضير وجباتهن بأنفسهن. أما المستفيدون من المبادرة، -حسب ذات المصدر-فهم المحتاجون والفقراء الذين لا يملكون القدرة على توفير وجبات الإفطار، عابرو السبيل، والفئات الهشة التي تحتاج إلى دعم إضافي خلال الشهر الكريم. التحدي الأكبر: "القلق النفسي للصائمين قبل الجوع" قال مالكي، أن التحدي الأكبر الذي نواجهه ليس في تحضير الطعام، بل في إرضاء الصائمين وتوفير أجواء مريحة للجميع. كثير من المستفيدين يصلون وهم قلقون بشأن دورهم في تناول الطعام، أو يرغبون في الجلوس مع أصدقائهم، مما قد يسبب بعض التوتر. لذلك، نحرص على تنظيم عملية التوزيع بشكل عادل، مع خلق بيئة دافئة يشعر فيها الجميع بأنهم بين إخوتهم، وليسوا غرباء. هدفنا هو أن يحظى كل صائم بتجربة إنسانية مريحة، بعيدًا عن أي مشاكل. تبرعات تُحيي الأمل وتنشر الخير نعتمد في تمويل المبادرة على التبرعات المالية والعينية لدعم توفير وجبات الإفطار للمحتاجين. وبشكل أساسي، على تبرعات الأفراد، سواء من داخل البلدية أو من خارجها، يختار بعض المتبرعين تقديم مساهمات مالية، مثل التكفل بإطعام 30 شخصًا، حيث تُقدر تكلفة الوجبة الواحدة ب 300 دج، مما يسمح لهم بالمساهمة وفق إمكانياتهم. في المقابل، يفضل آخرون تقديم تبرعات عينية، مثل الدجاج، الخبز، أو زكاة الفطرة، مما يساعد في توفير المكونات الأساسية لإعداد الوجبات اليومية. كل مساهمة، مهما كان نوعها، تسهم في استمرار المبادرة وتعزز روح التكافل خلال شهر رمضان. بالإضافة إلى ذلك، نعمل على تعزيز روح التضامن الاجتماعي من خلال تشجيع المزيد من الأفراد وأصحاب الخير على المساهمة، لضمان استدامة المبادرة وتوسيع نطاقها، حتى نتمكن من الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين. وجبات آمنة وطهاة مبدعون: سرّ نجاح مائدة مطعم الرحمة وكشف مالكي، نحرص على ضمان جودة الطعام وسلامته من خلال عمليات تفتيش يومية تقوم بها اللجان المختصة، حيث يتم التأكد من معايير النظافة وتقديم التوجيهات اللازمة، مثل ارتداء القفازات واتباع أساليب الطهي الصحية. كما نولي اهتمامًا خاصًا بحفظ الأطعمة، لا سيما اللحوم، لضمان تقديم وجبات متوازنة وآمنة للصائمين. ويعود الفضل في إعداد هذه الوجبات الشهية إلى الطهاة المتميزين، الشيف توفيق بودزالي والشيف عبد القادر ياهوني، اللذين يبذلان قصارى جهدهما لتحضير ألذ الأطباق. كما لا يمكننا أن نغفل دور رشيد بوراي في تنظيم المكان والإشراف على طاولات الطعام لضمان تجربة مريحة للجميع. نحلم بالتوسع.. لكننا نواجه شحّ الدعم والمقرات لتوسيع نطاق المبادرة في السنوات القادمة إذا حصلنا على الدعم الكافي. ومع ذلك، لا يمكننا ضمان استمرارنا في هذا الموقع، لأنه ليس ملكًا لنا، ولا نمتلك مقرات خاصة بنا. حتى نصب خيمة يعد أمرًا غير ممكن بسبب ضيق المساحة في بلدية الحمامات. لذا، نأمل أن يمدّنا الناس بالدعم والمساندة لتحقيق هذا الهدف. أما بالنسبة لاختيارنا لهذا الموقع تحديدًا، لأنه يقع في طريق رئيسي ويسهل الوصول إليه، كما أنه مكان معروف بالأعمال الخيرية منذ سنوات. كان المجاهد محمد بن عيش (رحمه الله) من رواد العمل الخيري في هذا الموقع، حيث اعتاد تنظيم موائد إفطار للصائمين، ولكن بعد جائحة كورونا توقفت هذه الأنشطة. لذلك، قررنا إعادة إحياء النشاط الخيري في هذا المكان تكريمًا لذكراه واستمرارًا لمسيرته. لحظات امتنان تذيب القلوب وقال مالكي، في هذه الأيام، يعبّر بعض الصائمين عن امتنانهم عند مغادرتهم بتقديم العناق والشكر لنا، مما يجعل جهودنا أكثر معنى وتأثيرًا. أكثر من إفطار.. مبادرات سنوية لاحتضان المحتاجين نحرص على تقديم الدعم للمحتاجين على مدار العام من خلال مجموعة من المبادرات الخيرية التي تشمل توفير الأدوية للمرضى المحتاجين، وتوزيع ملابس العيد للأطفال، فقد قمنا بتوفير أكثر من 600 لباس عيد، وتنظيم حملات ختان جماعي، بالإضافة إلى توفير الأدوات المدرسية للتلاميذ المعوزين لمساعدتهم على مواصلة تعليمهم. كما نسهم في خدمة مجتمعنا من خلال حملات نظافة الأحياء، حيث قمنا بتنظيف أحياء بلدية الحمامات بالتنسيق مع الجمعيات الخيرية وأعضاء البلدية، إلى جانب توفير مواد التنظيف للمساجد. ونسعى دائمًا لتوسيع أنشطتنا وإطلاق مبادرات جديدة تلبي احتياجات الفئات الأكثر احتياجا في المجتمع. رسالة أخيرة: التكافل مسؤولية الجميع اختتم مالكي معمر، حديثه قائلا : أن الجمعيات الخيرية تلعب دورًا محوريًا، في تعزيز التضامن الاجتماعي، خاصة خلال الشهر الفضيل، حيث تساهم في مساعدة الفئات المحتاجة ومد يد العون لمن هم في أمسّ الحاجة. وعلى الرغم من وجود جمعيات نشطة وفاعلة في هذا المجال، إلا أن هناك أخرى تفتقر إلى المبادرة ولا تقدم جهودًا ملموسة. من الضروري أن يدرك كل عضو في أي جمعية خيرية أن دوره لا يقتصر على انتظار توجيهات المكتب أو نشاط بقية الأعضاء، بل عليه أن يكون مبادرًا ويعمل بجد، حتى بشكل فردي، لتوفير المساعدات التي يحتاجها الآخرون. أما فيما يخص المتطوعين، صرّح مالكي، فإن عددهم لا يزال محدودًا، مما يشكل تحديًا أمام توسيع نطاق العمل الخيري. وبالنسبة للمحسنين، فإن مساهماتهم تتركز في المناسبات الكبرى مثل شهر رمضان، العيد، والدخول المدرسي، في حين أن الحاجة إلى الدعم تستمر طوال العام. لذا، من المهم تعزيز ثقافة العطاء المستدام والتطوع المستمر لضمان استمرارية المبادرات الخيرية وتأثيرها الإيجابي على المجتمع.