يتجه مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، المودع الأحد الماضي لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني من أجل دراسة برمجته للتصويت، إلى إعادة صياغته وتعديل بعض بنوده، بعد دعوة الأغلبية البرلمانية التي تحوزها الموالاة إلى استشارة مؤسسات الدولة في اعتماد هذه الوثيقة رسميا، سيما وأن لها "تداعيات دبلوماسية واقتصادية واجتماعية على الجزائر". وأشار نائب برلماني عن حركة البناء الوطني، في تصريح خص به جريدة "الاتحاد"، إلى أن: "رؤساء الكتل البرلمانية قد اجتمعوا مع رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، واتفقوا جماعيا على إجراء مشاورات موسعة لإصدار مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، إضافة إلى فتح باب إثرائه أمام مؤسسات الدولة الأخرى والمنظمات ذات الصلة بالموضوع، على اعتبار أن مثل هذا المشروع له تداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الجزائر، كما يرسم ملامح السياسة الخارجية للدولة الجزائرية في علاقتها مع نظيرتها الفرنسية". واعتبر محدثنا بأن قرار الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم بتقديم مشروع القانون إلى مكتب المجلس الشعبي الوطني، هو قرار شجاع، مؤكدا بأن الكتل البرلمانية الأخرى ليست ضد القرار بقدر ما أرادت أن تكون بنود المشروع متوافقة مع تصور مؤسسات الدولة، مردفا يقول بأنه: "هنا أشير إلى أن المشروع لم تتبنه كتلة حمس، بل تم إيداعه باسم مجموعة من النواب بلغ عددهم 108 نائب برلماني من عديد الأحزاب السياسية وكتلة الأحرار، ونحن نأسف من تضييع هذه الفرصة على الجزائر من أجل الرد على الاستفزازات الفرنسية بشكل موحد، يوحي بإجماع جزائري من مختلف الأقطاب السياسية على صياغة قانون تجريم الاستعمار في هذا الوقت بالذات". وبخصوص تعامل منتخبي الشعب في الغرفة السفلى للبرلمان مع هذا المشروع الذي أصبح أمرا واقعا أمامهم، أوضح المصدر ذاته بأن "نواب البرلمان سيتعاملون مع المشروع دون ترك الانطباع بأنهم ضد الفكرة"، ما قد يوحي لعدم دعم التصويت لصالحه على الأقل بصيغته الحالية التي تحتاج تعديلا في بنوده، من أجل "دراسة عميقة لتداعياته المحتملة على الجزائر من النواحي الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية". بعجي: لم يصلني مشروع تجريم الاستعمار.. من جهته، نفى الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، بعجي أبو الفضل، اطلاعه على مشروع قانون تجريم الاستعمار الذي تم تقديمه الأحد لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني لدراسة برمجته للتصويت، قائلا في ندوة صحفية له بأنه: "لم تصلني أي نسخة من المشروع بصفة رسمية، وعندما تصلني سأرد عليها". وكانت مصادر نيابية قد أكدت منتصف شهر أكتوبر المنقضي، لجريدة "الاتحاد"، بأن التشكيلات السياسية التي لديها نواب في الغرفة السفلى للبرلمان، "تكون قد بدأت مشاورات فيما بينها لإثراء هذه المشروع"، لافتا إلى أن "تأخر رؤساء الكتل البرلمانية عن تقديم ردودها، راجع إلى استمرار المشاورات الداخلية التي أجرتها مع قيادات أحزابها السياسية". وأضاف بعجي الأربعاء الماضي، في جوابه على سؤال حول رفض الأفلان مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، الذي قدمه 108 نائب برلماني لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني، مساء الأحد الماضي، بأن: "الأفلان لا يعارض مشروع قانون تجريم الاستعمار، حزبنا هو أول تشكيلة سياسية دعت إلى اعتماد هذا القانون في العهدة البرلمانية 2007/2012، وأعده الزميل موسى عبدي عن الحزب العتيد". وأشار بعجي إلى أن: "قانون تجريم الاستعمار يخص كل الجزائريين والأطياف السياسية، ولا يمكن لأي حزب أن يحتكره لنفسه، ومن قدم هذه المبادرة البرلمانية هو حر، وستتم دراستها في مكتب المجلس ثم برمجتها للتصويت، وأنا لم أسمع أي حزب قال أن الأفلان ضد هذا المشروع" مردفا يقول بأن: "السياسة الخارجية من صلاحيات رئيس الجمهورية، ولا أحد يعطينا درسا في الوطنية". حسابات المحليات تفرض نفسها هذا ويرجح مختصون أن تطلب الكتل البرلمانية التي لم تشارك بصفة رسمية في إيداع مشروع قانون تجريم الاستعمار لدى مكتب المجلس، إعادة صياغة هذا المشروع في بنود جديدة "توافقية"، عوض أن تتجه إلى تجاهله أو التصويت ضده تحت قبة البرلمان، على الأقل بسبب اعتبارات سياسية لها علاقة بالموعد الانتخابي المحلي المرتقب في 27 نوفمبر الجاري، حيث سيشكل تأييد أحزاب لهذا المشروع ورفض أخرى له بشكل علني، ترمومتر لدى الهيئة الناخبة في حسم أصواتها، سيما بالنسبة للأصوات المتأرجحة التي لا تخضع لمنطق المحسوبية المحلية الشخصية في اتخاذ خيارات التصويت بالانتخابات. كما يذهب فريق آخر من المتابعين للشأن السياسي، إلى أن الأغلبية البرلمانية التي تشكلها الأحزاب الأربعة المشاركة في الحكومة مع كتلة الأحرار، قد تنأى بنفسها عن هذا "الامتحان العسير" الذي وجدت نفسها فيها بشهر الثورة، وستتجه إلى إحالته على الحكومة لتفصل فيه بين القبول أو رفضه عبر الآليات الدستورية المعتمدة، في صورة المجلس الدستوري أو المحكمة الدستورية. هذا وطالب مثقفون ومواطنون مطلع شهر أكتوبر الجاري، بإحياء مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، ردا على استفزازات فرنسية بحق الجزائر شعبا ودولة، فيما نصح مختصون بتضمينه بنودا فعالة تسمح باستخدامه لمتابعة الدولة الفرنسية في المحاكم الدولية، سيما ما تعلق بنقطتي الاعتذار الرسمي والتعويض الاجتماعي للمواطنين والاقتصادي للدولة الجزائرية. وليست هذه المرة الأولى لمحاولة إقرار قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، حيث سبق لنواب المجلس الشعبي الوطني، التقدم بطرح المشروع سنة 2005، ردا منهم على إقرار الجمعية الوطنية الفرنسية لقانون يمجد الاستعمار. كما وقع 154 نائبا في البرلمان سنة 2009 على مقترح قانون "تجريم الاستعمار"، لكن المشروع جُمد ولم يُحل للمناقشة والمصادقة عليه في البرلمان، تحت تبرير "دواع دبلوماسية" و"التوقيت غير المناسب". وبعد سحب مبادرة أخرى سنة 2016، عاد المشروع عبر النائب البرلماني السابق عن حزب جبهة التحرير الوطني، كمال بلعربي، الذي أطلق حملة جمع توقيعات لذات الغرض سنة 2020، لكن "قيادة الأفلان الحالية عملت على تعطيل مبادرته"، حسب بلعربي.