جاء قرار منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبيك) بخفض إنتاجها ب1.5 مليون برميل يوميا على عكس "الضغوط" الأمريكية والبريطانية والألمانية التي راهنت على خلافات داخلية بين الأعضاء، والتخويف بشبح الأزمة المالية، وحافظت المنظمة بقرارها على استقلاليتها، وتركيزها على أداء دور هام في المنظومة الاقتصادية العالمية المبنية على الذهب الأسود، والمؤسسات المالية. اتخذت المنظمة المجتمع أعضاؤها الجمعة الماضية بالعاصمة النمساوية فيينا قرارا سياديا بعيدا عن تأثيرات القوى العظمى المحاصرة بالأزمة المالية العالمية المنجرة باعتراف أهلها من "فشل" السياسية المالية المنتهجة من طرف اكبر قوة اقتصادية في العالم الولاياتالمتحدة، مما دفع بانجيلا ميركل مستشارة اكبر قوة اقتصادية في أوروبا وهي ألمانيا الى الدعوة الى معاقبة المتسببين وإعادة النظر في النظام المالي الحالي المهيمن من قبل الطرف الأمريكي. علما أن ألمانيا هي البلد الوحيد من بين الدول الرأسمالية الذي يعتمد اقتصادها على الصناعة المنتجة وليس على المؤسسات المالية ونشاط البورصة. قرار أوبيك كان تاريخيا ليس فقط لأنه نجح في التوصل الى خفض الإنتاج في وقت كثرت فيه الضغوطات المتأتية من أكثر من فاعل على الساحة الدولية ولكن لكون الدول الأعضاء تمكنت من توحيد رؤاها رغم أن أطرافا عملت على زرع بذور الانقسام وسط الأعضاء، مما دفع بالرئيس الحالي للمنظمة وزير الطاقة والمناجم الجزائري شكيب خليل للقيام بمشاورات ماراطونية استمرت لأكثر من يومين استطاع من خلالها إقناع الجميع بضرورة إتباع تلك الخطوة للحفاظ على مصالح شعوب الدول المنتجة والمصدرة للنفط في وقت أصبح الجميع يفكر في كيفية إنقاذ اقتصاديات الدول، وسارعت الدول الكبرى كالولاياتالمتحدةالأمريكية والأوروبية وحتى الآسيوية الى عقد لقاءات وإجراء مشاورات خرجت على إثرها بنظرة لإنقاذ تدهور الأسواق المالية وانهيار البورصات العالمية وإفلاس البنوك. ويندرج قرار منظمة الأوبيك الخاص بخفض إنتاجها في سياق بحث حلول خاصة باقتصاديات هذه الدول المبنية على عائدات النفط. وأملى هذا التخفيض التراجع الكبير الذي عرفه سعر برميل النفط الذي فقد أكثر من 60 بالمئة من قيمته في الأيام الماضية حيث انهارت الأسعار إلى ما دون 63 دولارا للبرميل بعدما سجلت شهر جويلية الماضي رقما قياسيا ب147 دولارا، ويعكس هذا الواقع "حالة الركود" التي دخل فيها الاقتصاد العالمي مما يعني أن الإبقاء على حجم الإنتاج الحالي المقدر ب29.49 مليون برميل يوميا يعني ضخ كميات كبيرة من البترول لسوق هي في الأصل مشبعة. وترى منظمة الأوبيك أن تخفيض الإنتاج وضمان تغذية الأسواق بما يكفيها من نفط سيعود بالفائدة على الدول المستهلكة والمصدرة في آن واحد، وأن المنظمة لا يمكنها ان تتحمل بمفردها عبء المساهمة والتنسيق من أجل خلق أسواق نفطية متوازنة ومستقرة. وتراهن المنظمة على تعاون الجميع كونه لا يمكن الإبقاء على نفس مستوى الإنتاج الحالي في وقت تتجه فيه التحليلات والتوقعات إلى حدوث "انكماش" في الاقتصاد العالمي، وبدأت بوادر هذه الظاهرة تبرز اليوم بعد إعلان إفلاس دولة بكاملها هي إيسلندا التي لجأت إلى صندوق النقد الدولي لتحصيل قرض بقيمة 1.656 مليار أورو لمواجهة حجم الكارثة، كما عرفت البورصات العالمية انهيارا بلغت معه "الدرجات الحمراء"، ودخل قادة الدول الكبرى في تبادل الاتهامات، وتحميل الآخر المسؤولية وبدا الحديث عن مراجعة المنظومة الاقتصادية المبنية على الرأسمالية، وطالبت ألمانيا بمراجعة جذرية للمنظومة الحالية التي تهيمن عليها الولاياتالمتحدة، وسارت بريطانيا في نفس النهج وهي من أولى الدول المتضررة من هذه الأزمة من منطلق أن اقتصادها مبني على نشاط البنوك بنسبة تتجاوز 80 بالمئة. قرار الأوبيك بتخفيض حجم الانتاج يجعل منها معادلة يحسب لها حسابها في المنظومة الاقتصادية العالمية خاصة وأنها مستقلة في قراراتها، وسيدفع بالدول الكبرى الى إعادة حساباتها وفقا للمعطيات الميدانية التي يجب أن تنبني على مراعاة حقوق الدول المنتجة للنفط والمستهلكة على حد سواء. ومن شأن هذا القرار أيضا أن يوضح اكثر الخطوات الواجب أن تتبعها المنظمة في الأشهر القليلة القادمة حيث اكد السيد شكيب خليل الرئيس الحالي للمنظمة أن نتائج تخفيض حصة انتاج الأوبيك ستتم ملامستها بعد ستة اشهر من الآن.