الحراك الذي تشهده الساحة منذ أسابيع هو تفاعل طبيعي مع إجراءات الإصلاحات العميقة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية لاستكمال مسار الإصلاحات الذي سبق أن شرعت فيه الجزائر لكن في ظروف يبدو أنها لم تكن مواتية. فبداية المسار كانت بمثابة معالحة استعجالية لظرف استثنائي فرضها خروج الجزائر من عشرية سوداء. وكان الفضل للرئيس بوتفليقة في استعادة البلاد للسلم والأمن الوطنيين، وطبيعي أن تطفو على السطح مطالب اجتماعية واقتصادية مع عودة الهدوء والأمن، بعد أن كانت في البداية تقتصر على الأمن والاستقرار. ولا يمكن النظر إلى الحركات الاحتجاجية والمطالب الاجتماعية إلا في إطار الحراك الطبيعي للأشياء الذي يؤكد وجود ديمقراطية تسمح لشتى الفئات بالتعبير عن مطالبها السياسية أو الاجتماعية والاقتصادية. والدليل على ذلك أن قطاعات كثيرة رفعت مطالب اجتماعية ومهنية واستجيب لها بعد مشاورات مع الجهات الوصية. فما يجري في الجزائر هو ظاهرة صحية تشهدها كل المجتمعات الديمقراطية باستثناء المجتمعات المغلقة والمتسترة على أوضاعها المزرية، كما أنها ظاهرة طبيعية تفرض نفسها من جهة لكون الجزائريين خرجوا للتو من سنوات صعبة فرضها الإرهاب الأعمى، ومن جهة أخرى لمسايرة التحولات العالمية. إن تفاعل مختلف أطياف المجتمع مع الإصلاحات العميقة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية، وشروع المجتمع المدني والأحزاب في مشاورات قبل بدء المشاورات الرسمية، لدليل على أن المجتمع بلغ من النضج ما يمكنه من المساهمة في تجسيد هذه الإصلاحات على أرض الواقع وعدم التسامح مع كل من تسول له نفسه عرقلة 24مسار بناء جزائر العدالة والشفافية والديمقراطية.