منذ أن استقلت الجزائر والنظام الحاكم يعمل على الاحتكار التام لكل ما يعزز وجوده. ولأن كانت سياسة التأميمات والاحتكار قد أتت أكلها وعمت فائدتها على المجتمع كافة خاصة ما تعلق منها بتعميم التعليم والصحة المجانية كما كان لها صدى واسع في الأوساط الشعبية إلا أن تعميم التأميم والاحتكار والوصاية إلى كافة مناحي الحياة كان له الأثر السلبي على مكانة الدولة الجزائرية لدى أبنائها ونظرتهم إليها. ويعتبر تاريخ الجزائر خاصة ما تعلق منه بالثورة التحريرية من أبرز الميادين التي خضعت للتأميم والاحتكار والوصاية المباشرة والمطلقة إضافة إلى محاولة تشكيل أسطورة حول الثورة الجزائرية كان لها صدى في حينها. إلا أنه ومع مرور الوقت بدأت تطرح حولها علامات استفهام سواء لدى المختصين أو المواطن البسيط الذي لم تخنه قريحته في استكشاف بعض الخلل في الروايات خاصة المتناقلة شفهيا. وإيمانا منا بأن التاريخ ليس حكرا على أحد ما أنه ليس ملكا لصانعيه يحتكرونه ولا يريدون الإعلان عنه كما فعل السيد "أحمد بن بلة" الذي أجل نشر مذكراته إلى بعد موته. وعدم نشر مذكرات "بن طوبال" والهجوم على "علي كافي" بعد نقله لما يرى حول حادثة اغتيال "عبان رمضان" رغم أن "فتحي الذيب" قد سبقه إلى ذلك واستفراد البعض في تقديم أنفسهم على أساس أنهم أبطال ومنقذي الجزائر "كنزار" و"ياسف سعدي" وبعد سكوت الكثير من صانعي الثورة عما حدث ويحدث فإننا سنحاول هما تقديم بعض التساؤلات التي طرحها ويطرحها الجزائريون خاصة جيل ما بعد الثورة في حين يعتبرها الجيل الجديد من قبيل الخرافة لأن الأوضاع المعيشة تكذبها. ويمكننا إجمالها في النقاط التالية: ما هي الإيديولوجية و" القواعد الفكرية المؤسسة للثورة الجزائرية؟ هل هي استمرار للنضالات السابقة أم أحدثت قطيعة معها وكيف حاولت الثورة تجنيد أفراد الشعب إلى جانبها هل اعتمدت على الروح الوطنية، الدين أم ظروف المعيشة أم التهديد… بمعنى هل كان للثورة مبادئ أساسية تعتمد عليها وترجع إليها في حالة الخلاف أم أن الوضع عبارة عن هجين من التصورات والأفكار الأمر الذي استدعى تأجيل كل شيء إلى ما بعد الاستقلال. ولماذا التذبذب في المؤتمرات وعدم اعتماد بيان أول نوفمبر كقاعدة وأساس لما قد يأتي فيما بعد أم أن الأمر يتعلق باختراق الثورة من قبل أناس لم نسمع عنهم قبل 1954. لماذا استفحل الصراع الداخلي هل يرجع إلى النظام القبلي للمجتمع الجزائري لأم لأن الأمر يتعلق بسياسة فرق تسد حيث عانت منطقة الأوراس من عدم الاستقرار والانضباط خاصة بعد استشهاد "بن بولعيد"؟ إضافة إلى الضربات التي تعرضت لها من قبل المستعمر كما أن القاعدة الشرقية ممثلة في سوق أهراس تم القضاء عليها نهائيا سنة 1957 وانتقال القيادات إلى الغرب حيث تعتبر تلك المناطق أقل سخونة مقارنة بالمناطق الشرقية.كما أن الصراع الذي نشب بين جماعة بن لونيس (المصاليين) وحادثة ملوزة تجعلنا نطرح العديد من الأسئلة حول حقيقة الصراعات هل هي في سبيل إنجاح الثورة ولم الشمل أم أنها كانت لتصفية حسابات بين الإخوة الأعداء وما نتج عنها من ظلم خاصة للشعب الذي لم يكن له لا ناقة ولا جمل في هذه الصراعات. لماذا تم نقل الصراع إلى الخارج؟ إن تصفية الحسابات بالخارج والتلاعب بالثورة كان له انعكاس كبير وخطير على الداخل خاصة فيما يتعلق بمسألة تمويل الثورة بالسلاح هذا الأخير تم تكديسه على الحدود و كأن الداخل حقق اكتفاءه أو أن الثورة حققت أهدافها. إن الأمر يتعلق هنا بسياسة الابتزاز، ابتزاز الداخل من أجل تقديم دعمه لقيادات الخارج والضغط عليه لتزكية مشروعها المتعلق بالوصول إلى السلطة وحكم البلاد وقد نجح أناس في تحقيق ذلك رغم أنهم لم يطلقوا رصاصة واحدة ولم تواجه صدورهم نيران العدو ولم يعرفوا طعم الخوف ومواجهة الموت. هناك أسئلة أخرى تتعلق بالأسطورة التي حاول النظام الحاكم إقناع الشعب بها، أسطورة الجبهة وسياستها الرشيدة في قيادة الثورة وحكم البلاد والعباد فيما بعد وتسييرها العقلاني للثورة وذلك من خلال تضخيم عدد الشهداء والمجاهدين وانتهاج التقشف وتحمل شظف العيش في سبيل الاستقلال والحديث عن مشروع المجتمع الذي لم يرى النور حتى هذه اللحظات إضافة إلى مسألة الحركى وعودة الأقدام السوداء والأهم من كل هذا هو اتفاقيات "إيفيان" وما تم فيها رغم أن يوسف بن خدة نفى وجود اتفاقيات سرية إلا أن الأمر تشوبه بعض الشكوك فإن لم تكن كتابية فربما كانت شفوية ولما لا؟ كذلك هناك مسألة مهمة تتعلق بالأرشيف سواء في الداخل أو في الخارج هذا الأخير لا بد أن يرى وأرجو أن لا نبقى نتحدث عما يجب أن يكون لأن الجزائري خاصة الجيل الجديد أصبح لا يؤمن بالثورة ولا بمفجريها. في الأخير ما نود قوله هو أن التاريخ ملك لكل الشعب الجزائري وليس ملك لعائلة أو شخصية بعينها فمصالي وبن باديس وبن بولعيد وبن مهيدي وعبان وبلقاسم والجبهة والثورة كلها تراث مشترك لهذه الأمة التي يحول البعض نفي وجودها وممارسة الإقصاء تجاه أبنائها فإلى متى نظل على هذا العمى فشعب لا يعرف تاريخه لا يمكنه بناء مستقبله.