ماذا دها فرنسا، بلد الحريات وحقوق الإنسان؟ كيف تناست عظمتها وارتعشت فرائسها لمجرد ومضات فيلم ”الخارجون عن القانون” لبوشارب! لم أكن أتوقع أن تسقط فرنسا في مطب كهذا، وتطلق لليمين العنان ليطالب بسحب فيلم بوشارب الذي يتحدث عن جرائم 8 ماي 1945 في الجزائر من مهرجان ”كان”. لا أدري ما الذي أخاف فرنسا بالضبط؟ هل هذا الإرث التاريخي المشين، الذي لم ينجح قانون تمجيد الاستعمار في ترميم الماضي التاريخي اللاإنساني لهذا البلد، أم أن هؤلاء الهمج الذين طورتهم الدولة الإستعمارية، صاروا بشرا ومنهم من عرف كيف يشغل كاميرا، وذهب ينبش في أوراق التاريخ، ويكتب الإرث الاستعماري بمنطق آخر ويخرج المسكوت عنه ويكشف الوجه البشع لفرنسا الاستعمارية؟ ربما كل هذا، لأن الفرنسيين ليسوا كلهم على شاكلة ساركوزي، أو لوبان، وليسوا كلهم مؤيدين للفكر الاستعماري، فمن الفرنسيين من آمن بأفكار إيميل زولا، وسيمون دي بوفار وجان بول سارتر. هؤلاء الذين ألقوا بثقلهم الفكري على المجتمع الفرنسي، وأجبروا قوة الحلف الأطلسي (وقتها) على الرضوخ والقبول بالأمر الواقع، والتفاوض مع ثوار نوفمبر. نعم، حتى وإن انبرت أقلام، وشحذ اليمين همم الفرنسيين لمنع فيلم بوشارب من المشاركة في مهرجان ”كان”، لأنه من المرجح أيضا أن ينال سعفة ذهبية، ويحقق في القاعات ما حققه قبله ”أنديجان”، فإن جرائم 8 ماي 1945 وما اقترفته فرنسا الاستعمارية في حق مدنيين عزل لا تشرف فرنسا، بل هي أكبر دليل على أن لا شيء من الأنظمة الاستعمارية ما يشرف فرنسا ولا الإنسانية. وتاريخ فرنسا الاستعماري يحتفظ بالكثير من المواقف المخزية لهذه الدولة التي تدعي بأنها قطب للحرية والديمقراطية، فإلى جانب جرائم سطيف، ڤالمة وخراطة، هناك جرائم مدغشقر، ولا تكفيني المسحة هنا للحديث عن المجازر التي اقترفها جنودها الأوائل في بداية الاستعمار، وما فعلوه بالنساء والأطفال والحيوانات والأملاك، فقد استباحوا كل شيء، لعبوا الكرة بالجماجم وبنزوا أثداء النساء، وحرقوا قرى بأكملها في مغارات! فيلم بوشارب سيميط اللثام عن أكبر مجزرة اقترفها الجيش والمعمرون الفرنسيون في الجزائر، وسيفرض على المؤرخين الفرنسيين نظرة جديدة لأحداث تاريخ فرنسا غير المجيد! ولا شيء قادر على الوقوف أمام الحقيقة...