اسمها الزهرة لالمانية، مع أنها ليست ألمانية، ولم يكن اسمها الزهرة، الاسم الذي اختارته بنفسها لما اختارت الجزائر وطنا والثورة التحريرية قضية، وكان اسمها الحقيقي فاند نابل ليونتين جورجات جراردة من أصول بلجيكية! لم يكن شيئا في صغر هذه الشقراء ذات العينين الزرقاوين، يجبرها على العيش في منطقة تكوت بالأوراس، غير الحب، حبها لزوجها وللجزائر التي قبلت من أجلهما، الانضمام إلى صفوف الثوار وتقديم خدمات جليلة للثورة من هناك، من فرنسا، قبل أن تلتحق بزوجها المجاهد بالولاية التاريخية الأولى وكان عمرها لا يتعدى العشرين سنة، فتكفلت بنقل السلاح والتمريض وإسعاف المجاهدين حتى الاستقلال، ولم ترغب في العودة إلى أوروبا رغم قسوة العيش، لا في سنوات الاستقلال الأولى، ولا اليوم، ونحن نرى الكل يلهث وراء الهجرة، ومنهم من يحاول استرجاع جنسيته الفرنسية التي كسبها زمن الاستعمار. وقفت الزهرة لالمانية، من يومين تروي قصتها أمام الحاضرين على هامش الصالون الدولي للكتاب، وهي تكرم من طرف الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، رفقة عدد من الجزائريين من أصول أوروبية، هؤلاء الذين أحبوا الجزائر واختاروها قضية ووطنا، ولم يكن شيئا يجبرهم على ذلك. وقفت الزهرة وهي تذرف دموعا حارقة فرحة بهذا الموقف وهي تكرم لأول مرة من طرف مسؤولين جزائريين، أخرجوها من طي النسيان والجحود كل سنوات الإستقلال. كانت لحظة بوح وحب صادقة من إنسانة جميلة أحبت تكوت وأهلها وعاشت وسطهم تخدمهم، وتقدم لهم العلاج وتدخل كل البيوت من بابها الواسع، وبادلوها الحب وكان كاف لها، فلم تبحث لا على المال ولا الكسب ولا مقايضة وطنيتها الصادقة بأموال الدنيا. طبعا، لن نقرأ في كتب التاريخ ولا كتبنا المدرسية بطولة الزهرة والمئات مثلها من خلفية مسيحية أو يهودية، أحبوا الجزائر وناضلوا وحملوا السلاح من أجل إستقلالها. هؤلاء الذين قاموا بالثورة، وسرقت منهم من قبل من يدعون أن ”الله أكبر” وحدها هي من حررت الجزائر، بينما حرر الجزائر كل أبنائها بدياناتهم وهوياتهم المختلفة. الزهرة لالمانية، هي صفحة منسية من مئات صفحات تاريخ الجزائر المنسي، وقد أحسنت الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، بإخراجها من هذا النسيان، وتقديمها إلى الجزائريين حفاظا على بعض من الذاكرة وعرفانا لامرأة أحبت بلادها وخدمتها بصدق، بلادها التي اختارتها طواعية ولم تكن مجبرة على ذلك. وكان كافيا أن يزورها مسؤول جزائري لتسعد بذلك العرفان وتنهمر دموعها وهي تروي قصتها، قصة الوفاء لقضيتها، قصة جميلة قلّما ندرس مثلها، وكان كافيا الوصول إلى جبال تكوت الوعرة للكشف عن جوهرة مثلها. كم نحن جاحدون في حق هؤلاء، وها هو الواجب يحتم علينا أن نرفع الغطاء عن تلك البطولات الحقيقية لمجاهدين حقيقيين وليس هؤلاء المزيفين، الذين زيفوا ذاكرة الثورة ونهبوا خيرات البلاد باسم انتسابهم الكاذب إلى ثورة عظيمة. شكرا لزهرة لالمانية وشكرا لكل من ضحى من أجل انعتاقنا!