في كتابه الأخير المعنون "شجرة الكسكسي، وحدة وتنوع تراث"، يعرض عالم الاجتماع الراحل رشيد سيدي بومدين على قرائه تصفية ذاكرتهم الجماعية من الركود الناجم عن المألوف والحقائق الكاذبة، المتعلقة بهذا التراث الجزائري والشمال إفريقي. هذا الكتاب، الصادر مؤخرا، بعد وفاة الكاتب عن منشورات "الشهاب"، يغوص في التاريخ لإثبات تجذر وأصالة طبق الكسكسي، ومقاومة مصيدة المألوف بهذا التراث القريب جدا منا، من خلال اعتماد مقاربة قائمة على طقوس الاستهلاك. ويقترح المؤلف، عبر 190 صفحة، تحديد "كيف وبأي طريقة يسجل الكسكسي تراثا غير مادي (...) يعتبره الجميع ملكية شخصية وجماعية"، وإعادة إعطاء هذا التراث البشري الذي صنفته منظمة اليونسكو في 2020 كل تنوعه الذي تمّ تناسيه بسهولة. يقوم رشيد سيدي بومدين أولا باستعادة جميع الأسماء التي أُعطيت لهذا الطبق في الجزائر وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل ووسط إفريقيا، وحتى جنوب أوروبا، وإعادة وضع "الكسكسي" في السياق العام للمطابخ التقليدية في الجزائر، بما في ذلك النظام الغذائي المتوسطي أو الغذاء التارقي الذي يعتبر "استمرارية وانتقالا". يستكشف المؤلف أيضا فكرة التعبير عن الرابط الاجتماعي من خلال طبق الكسكسي ودلالاته الاجتماعية التي تتجلى في تطابق بين نوع الكسكسي وظروف استهلاكه، أو في استخدامه في مناسبات جماعية بطريقة موحدة وفقا للظروف. كما يناقش الكتاب التغيرات الموسمية والجغرافية والمناخية التي تؤثر على الوصفات والمكونات المختلفة للكسكسي، ويضع جدولا للوصفات والمكونات المختلفة حسب الظروف ودوائر الاستهلاك، وأيضا نواة الأسرة ودوائر الجوار ذات الصلة والأعراس وطقوسها وغيرها. رشيد سيدي بومدين الذي كان مهتما ب«فن العيش" على الطريقة الجزائرية من خلال الطهي، يرى أنه من المستحيل "فصل الممارسات الاجتماعية عن الاهتمام بالآخرين (...) في عالم لا وجود فيه للعنف". كما يقدّم الكتاب ما يعرفه المؤلف بأنه "مختارات من الكسكس" لإظهار تنوعه وثرائه، وتعدد الطرق الممكنة والمعروفة لطهيه، والتي تتجلى أيضا في العديد من المناسبات التقليدية والدينية باعتبارها رمزا للسلام، فهو مكرس أصلا في عنصر آخر من التراث الثقافي غير المادي الجزائري المصنف من قبل اليونسكو سنة 2013 وهو "ركب سيدي الشيخ". وأصدر رشيد سيدي بومدين، الذي وافته المنية نهاية 2022، العديد من المؤلفات حول التراث والعمارة التي تميز المدن الجزائرية، ومن بينها "مدن اسمنتية مقابل أحياء قصديرية"، وكذا "زخرفات الجزائر العاصمة" الذي يتطرّق إلى علاقة سكان مدينة الجزائر بالعمران، ويقترح الانغماس في ديكور تراثها العمراني كالقصور التي بنيت ما بين القرنين ال17 وال19. وفي تقاليد الطهي، نشر الباحث الراحل أيضا كتاب "الطبخ التقليدي في الجزائر، فن عيش"، وهو إصدار يقترح اكتشافا للطبخ التقليدي لمختلف مناطق الوطن، بما في ذلك طبق "الكسكسي".